
أنا و أنـــت سنــظل معـــاً و للأبـــد!!....
لطالما كنت أقرأ تلك الجمــلة بقصص الحب, و أردد بنفسي عجباً, و كأننا نملك الأبدية, عجبت لك يا زمن!
و لكن دعوني أسرد لكم قصة حب, أي نعم ستكون مجرد قصة عادية و غير مميزة, و لكن بما أننا
نتكلم عن الحب, فلابد أن أروي لكم تلك القصة, لذا, اسمحوا لي أن أسيطر على حواسكم, و أدخلكم معي إلى ذلك العالم الوردي, نوعاً ما وردي...
---------------------------------
يمشي كعادته بنفس الطريق, المعبد, و قد نزلت على رأسه القبعة المتصلة بمعطفه الصوفي ذا اللون الأسود, فباتت ملامحه مبهمة, من يراه يظن أنه شخصٌ غامض و مريب..
كان يدس يديه داخل جيبي بنطاله الأسود, حتى يلتمس بعض الدفئ , في ذلك الجو البارد ,و هو لا يزال يتمشى بتؤدة و تأني, لا يعلم إلى أين يتجه؟!, تاركاً قدميه تسوقانه حيثما شاءت أن تذهب, حتى توقف فجأةً, بل أجبر نفسه على الوقوف, عندما شعر أنه قد وجد ضالته!!
كانت ماضية في طريقها, عندما مرت من أمامه, جعلته يتوقف, بل يتسمر بمكانه, إنها سمراء جميلة, مليحة الوجه, بهية الطلة, جمعت شعرها الكستنائي للخلف, كذيل حصان مموج, ربطته بشريطٍ أبيض, تملك عينين واسعتين, سوداوين, كحيلتين, و أنف صغير, و مبسِم رقيق, و غمازاتين تظهران كلما تبسمت, كانت كالشمس المتوهجة, مرت بجواره, لتشرق عالمه الأسود, و كأنها تقول
" أنا هنا...أنا من تبحث عنها.."
و من دون وعي, وجد نفسه يتتبعها, أينما ذهبت يذهب, أينما دخلت يدخل, أينما جلست يجلس, وقع بهواها, ذلك الشاب الشاحب, المريب, من أول نظرة فقط..
لم يمضي على ذلك الحدث سوى أيام قليلة فقط, بات شغله الشاغل أن يتتبعها, عرف مكان بيتها, عرف كل شيءٍ عنها, اسمها هويدا, بالثانية و العشرون من عمرها, وحيدة عائلتها, تحب القراءة كثيراً, و تتردد على المكتبة العامة, يومياً...
و هكذا, أصبح صديقنا لا يفارق المكتبة, أو بالمعنى الأصح لا يفارق هويدا, فاتنته, التي غيرت عالمه, و جعلته أكثر إثارة بعد أن كان خاملاً...
ليلاً و نهاراً, يدخل المكتبة بعد أن تدخل هي, يجلس مبتعداً قليلاً, لكي يسمح لعينيه بين الحين و الآخر, أن تختلس نظرة حالمة إلى وجهها, فيخفق قلبه إثرها, تمنى الشاب لو يستطيع أن يتحدث إليها, أو أن ينبهها إلى تواجده, و لكن هيهات ثم هيهات, إن التردد صديق دربه الدائم, لقد كان خائفاً من أن تكون ردة فعلها قاسية, أو أن تتجاهله, أو أن تخاف منه, و تفهمه خطأ, فكيف لذلك القمر, أن يتدنى و يتكلم مع ذلك الشبح الشاحب, و لكن يجب أن يتشجع, يجب أن يحاول, حتى لا يخسرها...
- مرحباً, صباح الخير!
- مرحباً بك,صباح النور!
- يبدو أنكِ تحبين روايات جول فيرن!
- أجل لأنها تأخذني إلى عالمٍ آخر, أجمل من هذا العالم, أعشق خيال ذلك الكاتب
- هل لي أن أجلس معكِ, إن لم يضايقكِ ذلك؟!
- بالتأكيد تفضل
هذه هي أطول محادثة حدثت بينهم, استطاع أخيراً أن يتكلم معها, و يالفرحته عندما أجابته بلطف, إنها جميلة الروح كذلك, شعر الشاب بسعادة غامرة, ربما لم يتكلم معها بعد ذلك, إلا فقط مرحباً, و صباح الخير, و لكنه شعر بأنها قريبة من روحه, شعر أنها بعالمه و أنه بعالمها, إنها تشبهه كثيراً, تعشق الخيال عن الواقع, لقد وجد فتاته أخيراً, بعد أن ظل يبحث عنها لسنين, و لكن هل ستحبه؟!, هذا ما كان يشغل تفكيره؟!, فكيف لتلك الفاتنة أن تعشق شخصاً مثله, شخصاً لو قورن مع سيرانو , لأصبح الآخر ملك جمال العالم...
---------
هويدا فتاة رقيقة, سمراء اللون, ذات روح مرحة, تحب الخيال كثيراً, كانت تتمنى أن يكون حبيبها فارساً من العصور الوسطى, أو مخلوقاً من كوكب آخر, منذ أيام شعرت بأن هناك أحداً ما يراقبها, و يتتبعها, و لكنها تعود و تخبر نفسها بأن تفوق من تلك الحماقة, فمن سيتتبعها على أية حال؟!, فتضحك على سذاجتها تلك, حتى أتى ذلك اليوم, الذي رأت فيه ذلك الشاب غريب الأطوار, يدخل إلى المكتبة,
إنها أول مرة تراه بها, رمقته بنظراتٍ متفحصة, فيالذلك الشحوب الذي يشع منه!, لقد ظنت بأنه شبح, أو كائن ما من كوكب مجهول جاء ليستعمر الأرض, عيناه سوداوان, ذابلتان , و تحتهما هالات من السواد, و كأنه لم ينم منذ قرون, أو ربما هو حزين لدرجة الموت, دائماً يرتدي المعطف الأسود, و البنطال الأسود, و دائماً يسدل قبعة المعطف على رأسه, لم ترى من شعره سوى بضع خصلات ساقطة , ذات لون أسود فاحم, دائماً يجلس مبتعداً بمفرده, فظنت أنه لا يحب الاختلاط مع البشر, على أية حال لم تكترث له, و تركته بحاله, ثم عادت لتكمل رواية آلة الزمن, طفقت بعدها تضحك بخفوت, عندما طرأ بداخلها تلك الفكرة الغريبة,
" أن ذلك الشاب قد أتى من المستقبل, بآلة زمن, ليبحث عن شيءٍ ما..."
- يالهذا التفكير الغبي!!
همست هويدا بصوتٍ منخفض, ثم سرعان ما أطبقت الصمت, عندما وجدته يقف أمامها, و يكلمها, أصابها الاندهاش و الذهول, إنه يتكلم مثلها, إنه إنسان إذاً, هذا ما جال بداخلها و هي ترد عليه تحية الصباح, و تجيبه عن سؤاله, ثم فوجئت بعدها بطلبه أن يجلس بجوارها, فلم تدري ماذا تفعل؟!, و لم تعي إلا و هي تومأ له برأسها موافقةً على طلبه..
ظل الفتى بجوارها, يقرأ بصمت, و هي لا تزال بحالة من الصدمة, غير مستوعبة ما الذي جعلها توافق؟!, كانت ترمقه بين الحين و الآخر بنظرات, مرتابة, من خلف الكتاب...
و لكن مع الأيام, شعرت الفتاة بأنه مجرد شاب عادي, طيب القلب, و لكن وجهه لا يعكس ما بداخله من طيبة, لهذا هو مبتعد عن الناس, و دائماً بمفرده, إنه يحتاج إلى صديق ليتكلم معه لا أقل و لا أكثر....
-------------
توالت الأيام, و مرت الشهور, و بكل يوم يزداد حبها داخل قلبه, و لكنه لا يستطيع أن يصرح, و لكن إلى متى سيظل هكذا؟!, قرر الشاب أن يخبرها بمشاعره, و لكن عن طريق رسالة, فعمد إلى طاولته الصغيرة, و تناول قلمه الأسود, و ورقته البيضاء, ثم شرع يكتب على إضاءة مصباح غرفته الصغير...
" آنسة هويدا...لا تستغربي فأنا أعرفكِ منذ زمن, أرجوكِ لا تمزقي رسالتي و أكمليها إلى النهاية...
أنا شاب عادي, أعيش بمفردي, في شقة صغيرة, من بعد أن توفي والداي, لا أعمل سوى كاتب صغير بجريدة بسيطة غير معروفة, لم أكن أعرف لحياتي أي هدف, لم تكن لحياتي أي معنى, أو لون, لم أحبها إلا عندما التقيت بكِ آنستي...
من كلامي معكِ, شعرت بأنكِ تشبهينني, تهربين من الواقع المرير, إلى تلك القوقعة المصمتة, التي تسمى الخيال...
لا أعرف سوى أنني أحبكِ, كما أنتِ...لا أريد من العالم إلا أن أرى ابتسامتكِ...لأنها تضيء عالمي الفارغ...
لذا, أنا أحبكِ...و أحب كل ما هو متعلق بكِ..و أعشق حروف اسمكِ...
فهل لكِ أن ترأفي بحالي...و تقبلي قلبي...ملكاً لكِ...للأبد؟!
الامضاء/ حازم
"
وضع حازم قلمه الأسود بعد أن انتهى من خطابه, ثم أطبق الورقة و وضعها بمظروفٍ بني, نظر مطولاً لذلك الخطاب, و لأول مرة يبتسم بحياته, و قلبه يتابع الخفق, آملاً أن تتقبلها, و لا ترفضه...
كان قد قرأ العديد من الروايات الرومانسية, كان يعرف أن تلك الطريقة تجدي نفعاً مع البنات, خاصةً إن كانوا رقيقات يتمتعن بحسٍ مرهف مثل حبيبته...
و باليوم التالي, ذهب حازم, ليبتاع وردة حمراء, لكي يقدمها لها مع الخطاب, فكما قرأ بالروايات, إن الفتيات يحببن الورد الأحمر, و أنه دليلٌ على الحب, لم يجرب من قبل, و لكنه مستعد أن يفعل أي شيء فقط ليكسب قلبها الصغير...
توجه حازم إلى المكتبة العامة, مبكراً قبل أن تأتي هي, ثم وقف أمام الباب منتظراً إياها, كانت السعادة قد خطت قليلاً على وجهه, و بدأ يشعر أن الحياة قد أصبح لونها زهري كما يقولون, مرت ساعة, و تلتها ساعة, ثم لحقتها ساعات, حتى بزغ القمر الفضي بالسماء, الحالكة, و لم تأتِ محبوبته!!
شعر حازم بالقلق, فماذا حدث لها؟!, إنها معتادة أن تأتي يومياً إلى المكتبة, ترى ما خطبها؟!..
هز رأسه حتى يبعد هاجس الخوف الذي دق باب قلبه, و هو يخاطب نفسه:
- ربما هي متعبة قليلاً...لا بأس سأؤجلها للغد
مرت الأيام, و كل يوم لا تأتي هويدا, حتى أنها لم تظهر من نافذة غرفتها كما اعتاد أن يراها دائماً, تقف و تسقي الزهور الصغيرة, ماذا حدث لها؟!, لا يمكن أن تكون قد اختفت, و لا يمكن أن يكون متوهماً وجودها!!
أخفض حازم رأسه بيأس, ثم عاد إلى بيته منتظراً الغد, و هو يدعو الله أن تكون فتاته بخير...
-------------
يوم آخر, كأي يوم, صباح مثل كل صباح, أنارت الشمس المكان, و لكن الحدث تغير, ظهرت هويدا, و لكنها كانت واقفة وسط صديقاتها, اللواتي وقفن يثرثن معها و يبتسمن, و يبدو أنهن يباركن...
تقدم حازم نحو الأمام بخطواتٍ بسيطة, كان مسروراً أنها بخير, و لكن نزلت تلك الكلمات التي صدرت من الفتاة صاحبة الشعر البني, عليه كصاعقة مدوية...
- مبارك يا هويدا, و متى سيكون الزفاف؟!
- في آخر هذا الشهر بإذن الله
- لقد فرحت لكِ كثيراً, مبارك يا عزيزتي, أخيراً ستتزوجين بالشخص الذي طالما أحببتيه
- عقبى لكِ يا هالة...
كان حازم لا يزال واقفاً غير مصدقٍ لذلك الحديث المؤلم الذي يسمعه, يدور بينهم, هل هذه حقيقة؟!, أم حلم؟!, أم تراه كابوساً ثقيلاً؟!, لا يمكن, لقد ضاعت منه هويدا...
شعر المسكين بالضياع و التعاسة, فلو كان قد تكلم معها و أخبرها مسبقاً, لما ضاعت منه , و لكن تردده و حماقته هي السبب, نظر بحزن لذلك الخطاب الذي بيده, و لتلك الوردة الحمراء التي تحتل يده الأخرى, و تمتم بسره:
- يبدو أنني لن أستطيع أن أبوح لها, آسف أيتها الرسالة و لكن مصيركِ أن تظلي معي للأبد
أطبق عليها, ثم أعادها لجيب معطفه, ثم نظر نظرةً أخيرة إلى هويدا التي كانت تنظر لخاتم خطبتها بسعادة و فرحة غامرتين, فابتسم بداخله, و قال:
- طالما أنتِ سعيدة, فسأكون سعيداً
تقدم نحوها, فتوقفن الفتيات عن الثرثرة, و عم الهدوء المكان, و هم يرون ذلك الشاب الشاحب, يمد بيده, ليقدم تلك الوردة الحمراء, إلى هويدا, ثم قال:
- مبارك لكِ يا آنسة هويدا...و أتمنى لكِ السعادة للأبد
تفاجأت هويدا بذلك , و لكنها ابتسمت له , و هي تأخذ منه الوردة, قائلة بحفاوة:
- شكراً لك يا...
صمتت لبرهة, فهي لا تعرف اسمه, كانت تحدثه لمدة طويلة و لم تعرف من هو؟!, فقالت بتساؤل:
- اعذرني و لكنني لم أعرف اسمك بعد...هلا أخبرتني إياه؟!
استدار الشاب, ثم قبل أن يمشي أجابها بصوتٍ مبحوح:
- حازم...الشاب التعس
ثم ابتعد عن المكان, و هو يدس يديه بجيبي بنطاله الأسود, مسدلاً قبعة معطفه الأسود على رأسه, لتصبح ملامحه مبهمة و مريبة, وسط دهشة الجميع!!
---------------
أعلم أنها قصة عادية, و لكنني لم أعدكم بروميو و جولييت هنا, على العموم, لم تصل الرسالة و ظلت مع حازم, كل يوم يقرأها و يسخر من سذاجته و تردده....
------
و كذلك هذه أجدد قصة قصيرة لي ^^
و كذلك أعلم أنني وعدت بنشر أحلام و أوهام و لكنني بعدل أخطائها ^^"

السلام عليكم ...
يبدو انكِ تحبين كتابة الرويايات الرومانسية ذو نهايات سيئة .
عادة لا افضل الروايات الرومنسية .. ولكن هذه القصة جيدة ولها طابع خاص
وعند قرائتها شعرت بشيء مختلف ..
وارى ان اسلوبك في الكتابة مختلف عن القصة السابقة .. وهذا شيء مذهل .
هذا يدل ان لديك موهبة حقيقية في الكتابة وليست مصطنعة وحسب
وندخل في سياق القصة .. مسكين حازم تحطم قلبه وسيظل وحيدا ..
اما عن هويدا فقد كرهتها من بداية القصة بسبب اسمها
شكرا لك .. انتظر جديدك
اتمنى ان تكتبي روايات لا تقتصر فقط على الرومانسية بحد ذاتها بل اسلوبك يصلح لكتابة قصص منوعة .
تحياتى لك
آدو .
و عليكم السلام و رحمة الله و بركاته ^^
اهلاً يا آدم, تعرف انا لما دخلت و لقيت كاتب لي عدد الردود واحد على القصة, اتشهدت و قلت اخيراً حد رد ههههههه
اولاً شكراً على ردك الجميل ر=
الصراحة انا بحب كل انواع القصص, بس بحب اقتل و اعذب الشخصيات, و ساعات احب اعمل معاناة بالقصة, و احياناً انهي القصة نهاية سعيدة ^^"
بالفعل انا حبيت اتخذ طريق آخر بالكتابة, حبيت اجدد من نفسي حتى لا يمل القراء مني ^^"
هويدا انا كمان بكرهها بس بحب اسمها لانه بيفكرني بهويدا اللي بما وراء الطبيعة اللي كانت خطيبة رفعت اسماعيل ^^
اما حازم فده شخصيتي المفضلة و نوعي المفضل يعني داخله افضل من خارجه ^^
العفو و شكراً ليك على الرد الجميل ده
انا بالفعل بكتب بقصص لا تقتصر على الرومانسية ^^
رمضـــآن كــــــــريـــم
الله أكرم =)
كل سنة و انت طيب ^^
إرسال تعليق