السلام عليكم و رحمة الله و بركاته
ان شاء الله تكونوا جميعكم بخير
أعتذر عن تأخري بوضع الفصل الرابع...و كذلك أعتذر إن لم أستطع وضع الفصل الذي سيليه " الخامس"
أحتاج لفترة راحة بسبب ظروف و ربما قد يطيل غيابي...لا أعلم هل سأعود مجدداً أم لا...هل هذا آخر ما سأخطه بيدي أم لا؟!
كله بعلم الغيب...و لكن اعرفوا شيء واحد فقط...أنه إن عدت بإذن الله سأكتب الفصول المتبقية و أنشرها هنا , و لكن إن لم أعد فالرجاء اعذروني....
الفصــل الرابــــع
"
حلـم أمـ حقيــقــة!"
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هل شعرت بهـذا من قبل؟! أن تتجسد أحلامـك و كوابيسك و
تعيشها و كأنها حياتك العادية؟!
أن ينعـدم الحد الفاصـل بين الحقيقة و الحلم فتختلط
هواجسك بالواقع؟!
تصحو من حلم لتدخل بوهم, تعيشه بحذافيره و أنت موقن كل
الإيقان بأنها حقيقة؟!
ربما لم تشعر و لكنك تستطيع أن ترى!
-----------------------------------
" أخــوكِ! هل مازلتِ تسمينه أخاكِ بعد أن فعل ما
فعل؟! "
تحولت علامات الاستفهام التي أحاطت نظرات عينيه إلى
إصرارٍ على قرارٍ قد اتخذه في التو و اللحظة عندما قطب حاجبيه و اقترب منها مكملاً
كلامه
" اسمعي إيميليا لن أدعكِ تذهبين إليه, هذا فوق
جثتي!... سميه تحكم أو تدخل كما تشاءين و لكن لن أسمح لكِ بالعودة إلى هناك, هل
فهمتِ؟!"
ضغط بيديه على كتفيها و كأنه يريد أن يبث ما بقلبه عبر
تلك الضغطة, فواجهت عينيه بنظرات حزينة و لم تفتح شفتيها مما جعل الشك يلعب بقلبه
فقال راجياً و كأنه قرأ ما بداخلها
" أرجوكِ لا تذهبي إليه! أرجوكِ استمعي إلى
نصيحتي!"
أطرقت برأسها للأسفل ثم تساءلت بيأس دون أن تنظر له مباشرةً
" إذا لم أذهب إليه, فإلى أين سأذهب؟! هل لديك حلٌ
آخر؟!"
باغته ذلك السؤال المفاجئ له, فعلاً هو لم يعمل حسابه
لذلك؟! فأين ستذهب فتاة مثلها و أين ستقضي ليلتها؟! لن يسمح له قلبه بأن يتركها
هكذا؟! و لكن ما العمل؟!
أخذ يحك خصلات جبهته بإصبعيه مفكراً قبل أن يجيب بتردد
" إيميليا.. سوف تذهبين معي!"
كان يخشى أن تفهمه خطأ أو أن ترفض طلبه و رأيه.. و هذا
ما كان بالفعل عندما تساءلت باستغراب
" معك! إلى أين؟!"
تنحنح قليلاً قبل أن يقول
" إلى منزلي"
اتسعت عيناها منذهلةً ثم قالت بدهشة
" منزلك أنت!"
قطبت حاجبيها ثم نظرت إلى الأرض قائلة برفض و مصممة على
رأيها
" لا يا رينارد...سوف أعود إلى جيرالد"
لم ترفض طلبه خوفاً منه, فهي تثق به و تعلم أن عرضه هذا
كان من دافع الشفقة عليها و لكنها طالما كرهت أن تكون عبئاً على أحد, و كذلك هي تكره
نظرات الشفقة...تكرهها كثيراً جداً!
زلزل رفضها كيانه و أزاده دهشةً و استغراباً, ليولد ذلك
التساؤل
" لماذا؟!...هل أنتِ خائفة مني؟! "
هرولت إجابتها السريعة قبل أن يزداد تشككه بنفسه قائلة
بحزم
" لا ليس الأمر هكذا, إنني أريد أن أواجهه بل يجب
عليّ ذلك...يجب أن أواجهه بما علمت به و بما أشك به!"
تعالى نعيب بومة كانت تعتلي إحدى أغصان الشجر, تراقب من
بعيد ما يدور و كأنها تعلق على تلك الأحداث أو ترفض قرار إيميليا...ربما أبت
الطبيعة كلها أن تذهب إليه حتى قلبها كان مضطرباً مما سيحدث إن واجهته و لكنها
أخفت ذلك عن رينارد حتى لا يعاندها و يمنعها من الذهاب!
طالت نظراته الصامتة لها...و طال تفكيره معها, حتى احتسم
أمره قائلاً بجدية تامة
" موافق...و لكن لن أدعكِ تذهبين بمفردكِ"
لم تفهم ما قصده من ذلك الكلام فنظرت له بعينين
متسائلتين لتفاجأ به يحضن يديها بين راحتيه ثم تمعن داخل عينيها مجيباً تساؤلها
بعزم و ثقة
" سأذهب معكِ لمواجهته..فشخصان أفضل من شخصٍ
واحد"
لم تصدق إيميليا ما سمعته منه للتو..هل هو فعلاً جاد
بكلامه؟! كان هذا ما يدور بذهنها و لكن بقرارة نفسها كانت سعيدة, بل ربما رقص
قلبها من الفرحة عندما شعرت بأنها ليست بمفردها...للمرة الأولى بحياتها يتلاشى
شعور الوحدة بعد فقدانها أبويها, و لكم كانت ممتنة له على تلك المساندة, و لذلك
ابتسمت و أومأت برأسها إيماءة خفيفة موافقةً على قراره..
يبدو أن الصراع سيشتد...و النهاية قد اقتربت..
ترى ماذا سيحدث؟!
×××××××××××××××××××××
خيم سكون الليل على المكان و بداخل ذلك القصر الذي تسربل
بالسواد أخذ يجيء و يذهب و هو عاقدٌ ذراعيه خلف ظهره مفكراً و على حاجبيه علامات
التأفف و الضيق فقال متبرماً
" بكاء..بكاء..بكاء...سوف أجن من تلك الصغيرة
التافهة..لا أستطيع أن أفكر وسط هذا الضجيج"
توقف عن الحركة ليرمق غرفتها بعينين حادتين و ثاقبتين كادتا
أن تفتتا الباب و تحرقا ما بداخلها ثم قال متوعداً و هو يصرّ على نواجذه
" سوف أنفذ تلك الخطة و لكن هذا سيتطلب مني جهداً
خاص...خاص جداً"
تحولت ابتسامة الخبث إلى ضحكات شريرة منخفضة ثم تعالت
لتصل إلى قهقهات ساخرة كادت أن تهز الجدران عندما دلف إلى مكتبه و أغلق بابه
عليه..
جلس على مقعده الجلدي الأسود ثم فتح درج مكتبه و أخرج
قنينة زجاجية صغيرة معتمة اللون..راح يتفحصها بعينين شغوفتين و على شفتيه لازالت
بسمة الخبث تعتلي..
زفر بعمق ثم قال بنبرات تضمر الشر في مكنونها مخاطباً
تلك القنينة
" حان وقت استعمالكِ ..لقد جنت على نفسها و يبدو
أنني كنت متساهلاً معها للغاية..سنرى الآن من سيضحك على من؟!"
بعد أن أنهى كلامه أعادها إلى مكانها و راحت أفكاره تموج
بالشر و الضغينة, راح ينسج خطته فتزداد ابتسامته و عندما أحكم الخطة راح يضحك
مستمتعاً بها ..شبك يديه فوق مكتبه ثم أسند ذقنه عليهما و تمتم ساخراً
" لم يعد هناك إلا شارة البدء "
كانت الساعة تدق معلنةً انتصاف الليل..رافعةً راية
السكون و الراحة لجميع المخلوقات..و لكن هذا نقيض ما يحدث بغرفتها من ضجيج حرصت أن
يكون منخفضاً ..حيث أخذت تضع ملابسها و أشياءها داخل حقيبتها التي أخرجتها من
خزانتها و بعينيها احتشتدت تلك الدموع و لكنها أغلقت جفنيها بسرعة قبل أن
تنهمر..كان قلبها يدق بعنف و بداخلها قد صممت على أمر واحد..إنه الهرب!
ربما لم تعلم إلى أين ستذهب الآن؟! أو كيف ستعيش بالخارج؟!
إنها لا تعرف شيئاً بمعالم مدينتها فلقد اقتصرت طفولتها و دراستها داخل القصر؛ حتى
ذلك الحادث المشؤوم الذي أدى لفقدانها و حرمانها من والديها العطوفين..بعدها بدأت
تذهب إلى المدرسة لأن جيرالد منع المدرسين من المجيء متحججاً بأنها لم تعد
صغيرة..و لكنها تعلم أنه فعل ذلك لحقده عليها!
و لكن الآن كل ما يهمها هو الهروب من ذلك الجحيم
الصامت..الهروب من نيران أخيها الذي اشتعلت كراهيته كثيراً مؤخراً..ستهرب لأنها
تود أن تبحث عن الحقيقة..تود أن تعرف و تعلم لماذا يريد كل شيءٍ له؟!..لماذا لا
يجيبها عن أسئلتها؟!..
إن جيرالد يعرف شيئاً مهماً عن تفاصيل الحادث.. شيئاً
سيقلب الموازين رأساً على عقب و لكنه يكتمه بداخله! هذا ما تشعر به عندما تنظر بكل
مرة إلى عينيه..هذا ما تلمسه من نبرات صوته و ردة فعله التي تتغير عندما تفتح معه
سيرة وفاة والديهما و اختفاء جثتيهما!
هنالك شيء ما وراءه..سر خطير مدفون بقلبه..لغز محير و
متشابك لابد أن تكتشفه!
أغلقت حقيبتها بعد الانتهاء من لململت حاجياتها..زفرت
قليلاً ثم شردت بعينيها في السقف و هي تمسح حبيبات العرق من على جبينها ثم قالت
أخيراً بتصميم و إرادة قويتين
" يجب أن أعرف..يجب أن أكتشف سرك يا جيرالد..أعدك أخي
بذلك...أعدك!"
×××××××××××××××××××××
داخل غرفة المعيشة جلسا متجاورين على الأريكة الحمراء و
قد انعكس وهيج النيران المشتعلة بحطب المدفأة مضيئاً وجهيهما, لتكشف عن تلك
السعادة و الفرحة التي أغدقت ملامحهما عندما صرحت عنها قائلة
" عزيزي لكم أنا سعيدة جداً..إن سعادتي حقاً لا توصف..أخيراً
سيكون لدينا طفلاً...أخيراً استجاب الله لنا و سأنجب يا روبرت أخيراً!"
وضعت بيدها على فمها عندما اغرورقت عيناها بالدموع, لم
تكن تصدق نفسها و لا ما يحدث معهم..فهذا أشبه بحلمٍ طويل الأمد..حلم قد آن له أن يتحقق
..
لفتت رأسها فتقابلت مع عيني زوجها لترى نظرات السعادة
تطل منها, و بحنان وضع يده فوق يدها ثم ابتسم لها ببشاشة و راح قلبه يخفق و لكن
سرعان ما تلاشت السعادة لتتبدل إلى نظرات استغراب عندما وجدها قد شردت و أنكست
رأسها..
رفع بيده وجهها ليجد مسحة الحزن قد أطفأت بريق عينيها
فزاده ذلك قلقاً و تعجباً, و عندما همَّ ليسألها ماذا بها؟! كانت هي أسرع منه
بإجابتها و التي حملت نفس نغمة القلق
" ماذا عن جيرالد؟!..هل سنخبره؟! "
كانت الإجابة داخل إطارها تساؤلاً يحتاج إلى إجابة
كذلك..و مع صوت قرقعة الحطب المشتعل و رائحته التي عانقت الهواء..تنفس زوجها بعمق ثم
نظر نحوها نظرة ذات معنى عندما أردف قائلاً
" سيظل جيرالد إبننا مهما حدث..أعلم أننا لم ننجبه
و لكننا نحن من رباه لذا لن نخبر..."
قطع الزوجان كلامهما حينما سمعا وقع خطوات خارج
الغرفة..فنظرا لبعضهما نظرات متشككة, يبدو أن هناك من يسترق السمع إلى حديثيهما..
لم يتمالك روبرت أعصابه, فهذه بوجهة نظره وقاحة كبرى..نهض
من مجلسه متجهاً نحو الباب ليتحرى الأمر ..ففتحه بعصبية حتى كاد أن ينخلع, و بداخله
أخذ يرغي و يزبد متوعداً إن رأى أحد أولئك الخدم الفضوليين فسوف يريه حسابه.. تمتم
بضيق
" تباً لهؤلاء الخدم..كيف تسول لهم أنفسهم التنصت
علينا بهذا الشكل؟! هذا ليس سلوكاً حضاري بتاتاً"
تسمر واقفاً ينظر بذهول أمامه و مالبث أن طغى الصمت
المطبق ليخمد نار عصبيته عندما لم يجد أحداً واقفاً بالخارج..و لكن بدلاً من ذلك
وجد جيرالد يعتلي سلالم القصر صعوداً إلى غرفته بالأعلى دون أي كلمة و لم يأتِ إليهم
كعادته ليحدثهم عن يومه الدراسي و عن أصدقائه و عن مدح الأساتذة به!
لم يفق روبرت من صدمته إلا عندما شعر بيد زوجته الحنونة تعتصر
كتفه, ففهم أنها قد رأته أيضاً و أن الشك قد دب داخلها مثلما حدث معه, فاسترق
نظرةً إليها ليجدها ترتجف واضعةً بيدها الأخرى فوق صدرها لتهدئ من نبضات قلبها ثم
جعلت القلق ينشب بمخالبه داخل قلبه عندما همست بخوف
" ترى هل سمع ما كان يدور بيننا من حديث الآن؟!..هل
علم بالحقيقة؟! "
حل واحد سيشفي ظمأهم للمعرفة.. سيجعل قلبيهما إما يطمئن
بالراحة أو يتكبد عناء الشرح...كان الحل هو الذهاب إلى غرفته مباشرةً و مواجهته!
و هكذا اتجها نحو غرفته معتليين السلم صعوداً ثم توقفا
أمام الباب و هما يتراشقان نظرات الحيرة و التساؤل..هل يواجهاه أم لا؟! ماذا إن
أخبراه الحقيقة؟! هل عساه أن يتقبلها؟!
تنهدت الأم ثم طرقت الباب و قالت بصوتٍ حنون و لكنه خرج
ضعيفاً و مرتبكاً رغماً عنها
" جيرالد عزيزي...هل نستطيع أن ندخل؟! "
أجابهم ذلك العزيز بالصمت و لا شيء سواه!.. أثار ذلك
ذعرهما خاصةً أن الباب كان موصداً من الداخل ..فأردفت بقلق من جديد
" جيرالد!..عزيزي لماذا لا تجيب؟!..جيرالد افتح
الباب!"
نظرت إلى زوجها بذعر و هي تحاول تحريك المقبض بعصبية و
هلع..شعرت بأنه ليس على مايرام..خافت من أن يكون قد حدث له مكروهاً بالداخل!
فأبعدها روبرت عن الطريق ثم أخذ يطرق بعنف على الباب حتى كاد أن يتصدع و هو يصيح
"جيرالد
افتح هيا"
بكل مرة يزداد الطرق حتى وصل به الأمر إلى أن يرمي بجسده
على الباب ليكسره..و لكنه توقف عندما فوجئ به ينفتح أمامه ليظهر من ورائه ذلك
الطفل الصغير ذو الشعر الفاحم و قد أخذ يفرك عينيه متسائلاً بصوتٍ ناعس بريء
" أبي! أمي! ماذا تفعلان هنا؟! لماذا تصرخان؟! هل
هناك خطبٌ ما؟! "
اتسعت عينا الأب غير مصدق..هل كان نائماً طوال هذا
الوقت؟! و لكن سرعان ما أنفى ذلك فكيف استغرق في النوم بتلك السرعة و هو قد عاد
منذ دقائق؟!
قطب حاجبيه و هو يسأله مباشرةً
" متى أتيت من المدرسة؟!"
دون تلكؤ أو خوف أو حتى أن يرف له رمش أجاب بثقة و تحدٍ
" منذ ساعة مضت..لماذا؟!"
زادت الدهشة بأعينهما و راح سؤال كيف؟! و متى؟! يتخبط
داخلهما حتى قطعت الأم تفكيرها لتتساءل بلطف و هي تمسح على رأسه
" عزيزي هل مررت بغرفة المعيشة قبل أن تصعد؟!"
رمقها الصغير بنظرة جعلتها تبتلع ريقها عندما انقبض
قلبها, لأول مرة بحياتها تراه ينظر هكذا!..فابتسمت بارتباك حتى تزيل ذلك الجو المرعب,
أما يدها فقد ارتجفت فوق رأسه..لقد شعر بخوفها, لذلك أجابها بعد برهة من الصمت
قائلاً ببرود
" لا! لم أمر بالغرفة...لقد صعدت مباشرةً إلى غرفتي
لأنام"
اغتصب ابتسامة على شفتيه بعدها عندما وجدهما يرمقانه
بتلك النظرات الحائرة ,فأراح ذلك قلبيهما كثيراً..
زفرت الأم بارتياح ثم ابتسمت هي و زوجها قائلين له
" حسناً..أكمل نومك يا عزيزي...نأسف لإزعاجك"
ضمته إلى صدرها و طبعت قبلة دافئة على رأسه ثم تركاه و
ذهبا من أمامه..لم ينتبها لحقيقة مشاعره التي تجسدت عبر تلك الابتسامة المجروحة!..لم
يفهما رسالته إليهم و ظنا أن الأمر قد مر مرور الكرام!..
لقد آلمه هذا كثيراً لأنهما
لم يعرفا أنه قد علم حقيقته المؤلمة! علم بأنهما كانا يخفيان عنه طوال هذه السنين
و يخدعانه بحبهما..
علم أنه ليس لديه أهل حقيقيين و أنه مجرد طفل...متبنى!
×××××××××××××××××××××
تنزل درجات السلم بحذر في الظلام..تتلفت حولها يميناً و
يساراً ثم تطلق تنهيدة قصيرة تعبر عن الارتياح..
( لا أحد مستيقظ الآن هذا جيد!)
..تكمل سيرها نحو الباب الكبير و قد حرصت ألا تصدر أي
صوت حتى و لو كان خافتاً..فالخفوت يتحول إلى ضجيج وسط السكون خاصةً في مثل تلك
الأوقات الحرجة..
" إلى أين ستذهبين؟! "
أجفلت بمكانها عندما سمعت ذلك الصوت يكسر الهدوء ليخترق
طبلتي أذنيها و يتردد صداه حولها..انقبض قلبها و سقطت حقيبتها بجوارها على الأرض
عندما اشتعل النور بالمكان كاشفاً عن ملامحها التي ارتسمت عليها ظلال الخوف و
القلق!
حاولت أن تسكن رهبتها قليلاً ثم استدارت لتواجهه, فوجدته
ينظر إليها و قد أحاطته علامات الدهشة و التساؤل ,و لكنه بالرغم من ذلك ابتسم
قائلاً
" ماذا كنتِ تنوين أن تفعلي؟! هل كنتِ
تهربين؟!"
ترددت كثيراً قبل أن تجيب..حاولت غلب مخاوفها فلابد أن
تظهر له بعض الشجاعة..فردت عليه باختصار بعد أن استعادة رباطة جأشها قائلة
" أجل!"
ساد الصمت قليلاً و مالبث أن بدده بالضحك من إجابتها
الصريحة تلك.. هذا بعد أن تفاجأ بالطبع!
نظرت له باستنكار, فهي لم تقل شيئاً يدعو للضحك بهذا
الشكل..شعرت بالغضب يتجدد بداخلها عندما فكرت أنه يسخر منها ,فقطبت حاجبيها و
لكنها سرعان ما فردتهما متعجبةً عندما وجدته يقترب منها ببضع خطوات!
عاد الخوف يدق باب قلبها, هل سيؤذيها مجدداً؟!..هكذا ظنت
فتراجعت للخلف..
ظل يقترب و هي
تبتعد حتى توقف هو بدوره عندما لاحظ ذلك, فابتسم متسائلاً باستغراب
" ماذا بكِ
يا إيميليا؟!..لماذا تبتعدين عني هكذا ؟!..لا تخافي فأنا لا أعض! "
( يبتسم! هل هو حقاً يبتسم و يخاطبني بذلك الشكل
الودود؟! هل عاد مجدداً ليمثل عليَّ دور الملاك الرقيق و الأخ الحنون؟!..)
أزعجها ذلك التفكير كثيراً لقد سئمت من سخريته و ألاعيبه
تلك و هكذا قررت بأعماقها أنها لن تسمح له بفعل ذلك مجدداً ..فصاحت به كي توقفه
عند حده
" هذا يكفي يا جيرالد! ألم تسأم من هذه اللعبة
بعد؟!"
و كأن ما قالته للتو قد تبخر مع الهواء فهو لم يتأثر و
أصر على الاقتراب منها أما هي فلم تجد أي مكانٍ لتذهب إليه فلقد وصلت إلى نهاية
سيرها لترتطم بباب القصر من خلفها!
أغمضت عينيها بقوة عندما خافت من بطشه..و لكنها لم تلُم
نفسها على ما تفوهت به..انتظرت ذلك الألم الذي سينتشر داخل خلاياها بعد صفعته
القوية لها..انتظرت أن تشعر بيده و هي تحاول خنق أنفاسها بداخلها..و لكن لم يحدث
أي شيء!
مر الوقت, ففتحت عينيها ببطء لتجده أمامها مباشرةً و لا
يفصل بينهما سوى خطوة قصيرة واحدة و الأعجب من ذلك رأته يقول بأسف مبتسماً
" أعلم أنني كنت قاسياً عليكِ..أعلم أنني مثال للأخ
السيء المستهتر..و لكن أتمنى أن تصفحي عني و تسامحيني...أرجوكِ يا صغيرتي"
لم تصدق ما سمعته منه الآن..هل هذا بالفعل جيرالد أم شخص
آخر حل محله؟!..هل بالفعل اعتذر عما بدر منه أم تراها مسرحية أخرى يريد أن يؤديها
على خشبة مسرحه ليسخر منها مثل كل مرة؟!
ترى ماذا سيكون المقابل هذه المرة؟! هل هو
تنازل آخر أم تراه شيئاً أكبر؟!..
أخذت ترمقه من أعلى رأسه لأخمص قدميه و كأنها تنتظر ظهور
وجهه الحقيقي..عندها قطع حبل أفكارها أو ظنونها عندما أمسك بيدها ثم رفع حقيبتها
قائلاً
" أرجوكِ لننسى الماضي و لنبدأ صفحة جديدة بيضاء
معاً"
أبعدت يده عنها معترضةً على كل كلمة قالها..كانت نيران
الحزن و الاستياء تتأجج داخل عينيها, فتنهد قائلاً باعتذار
" أرجوكِ يا إيميليا..أعدكِ أنني سأتغير..أرجوكِ
صدقيني..أنا..."
" أنت ماذا؟!"
قاطعه ذلك السؤال الذي جاء على حين غرة و الذي حمل
العتاب و الدموع و الانفعال داخل كل حرفٍ منه, ليلجمه الصمت محدقاً بوجهها في
غرابة منتظراً ما ستقول, فاستأنفت باكية
" أنت
ماذا يا جيرالد؟!..أنا لا أفهمك..تارةً وحشاً وضيعاً و تارةً ملاكاً
رقيقاً!..يوماً تعاملني بحنان و رقة و اليوم الآخر أجدك مفترساً..أنانياً و
طاغية!...حقاً لم أعد أفهمك! "
كان ينظر لها بتأثر و ندم حرص على أن يتجلى في بريق
عينيه..أطرق رأسه للأسفل ثم تمتم
" آسف!"
صمت قليلاً ليستجمع كلامه ثم رفع رأسه و ابتسم قاطعاً
ذلك الوعد و مفسراً لها أسباب قسوته معها!
" لن أفعل ذلك مجدداً أعدكِ عزيزتي..لقد كنت فقط
خائفاً على ممتلكاتكِ..خفت أن يضحك عليكِ أحدهم و يسلب منكِ كل شيء...و لكنني
راجعت نفسي و عرفت خطأي...و ندمت عليه! "
جثى على إحدى ركبتيه مثلما فعل معها سابقاً بيوم
ميلادها, ثم وضع بيده على صدره و أحنى رأسه احتراماً لتنسدل خصلاته الفاحمة و هو
يقول باعتذار رسمي أشبه بالاعتذرات الملكية
" أنا أطلب منكِ السماح أميرتي الغالية على قسوتي و
على كل ما فعلته معكِ...و لكن لا تكوني قاسية..أرجوكِ لا تغادري القصر..."
رفع ببصره نحوها لترتسم تلك النظرة الراجية ثم أكمل
" أرجوكِ لا تذهبي و تتركيني بمفردي...ربما كنت
فظاً و لكنني محتاجٌ إليكِ معي"
لم تستطع إيميليا تمالك نفسها فانهمرت دموعها التي كانت
قد حاشتها طويلاً, ثم انخفضت إلى مستواه و ارتمت بين أحضانه لتجهش ببكاءٍ
مرير..كان صوتها ما بين فرحة و دموع..ألم و سعادة و هي تتمتم
" بالطبع أسامحك.. فلكم اشتقت لك يا أخي!...حسناً
لنطوي صفحات الماضي الآن و لنبدأ معاً صفحة بيضاء لا تشوبها أي شائبة"
ربما قد ساورتها بعض الشكوك و لكن ما فعله جيرالد قد أزالها
كما يزيل المطر العوالق, فلم تجد أمامها سوى أن تصدقه و أن تمنحه فرصة...و لكنها
سوف تصبح الأخيرة!
عانقها هو الآخر و أخذ يربت على رأسها هامساً بصوتٍ حنون
" يالسعادتي الآن! شكراً لكِ أيتها الأميرة
الطيبة..."
أبعدها عنه لينظر إلى وجهها فابتسم و هو يمسح دموعها
بيديه و قال محاولاً بث الأمن و الطمأنينة إلى قلبها
" حسناً بما أنكِ عفوتِ عني و سامحتيني فهذا يستحق
احتفالاً..ما رأيكِ بأن أعد لكِ العشاء بنفسي؟!"
ابتسمت له و هي لا تصدق ذلك التطور الذي أصبح فيه فقالت
مازحة
" جيرالد روكفيلر سيعد العشاء الليلة؟!..سيدخل إلى
المطبخ و يحارب مع الأواني لإعداد الطعام؟!...لا لا أنا لا أصدق هذا!!..يجب أن أرى
بأم عيني!"
أخذا يضحكان عندما نظر لها مستنكراً ما قالته و مدافعاً
عن نفسه بمزاح قائلاً
" إن الطهو ليس بالشيء الصعب...لا شيء سيتغلب
عليّ..سترين!"
أومأت له برأسها و هي مغمضة العينين ثم نهضا من على
الأرض بعد أن أخبرها بأن تصعد إلى غرفتها لتستعد و لتغسل آثار تلك الدموع أما هو
فسيذهب لإعداد كل شيء من أجلها!
ربما كانت بأوج سعادتها و ربما ارتسم ذلك على شفتيها و
انطبع داخل نبرات صوتها و لكن قلبها لازال متعجباً..لازال متعلقاً به بعض الريبة..فلقد
مضى الأمر سريعاً! و بداخلها كانت تموج بحار من الأسئلة التي لا تلقى لها أي إجابة
سوى..
( ألهذه الدرجة أنا مهمة لديه؟!...ألهذه الدرجة أصبح
يهمه حزني و فرحي؟!...ربما قد تغير فعلاً و ربما...)
...أن جيرالد قد تغير حقاً بهذه السرعة... كانت هذه هي
الإجابة!
على طاولة الطعام البيضاوية الشكل و التي قد احتلت
مكاناً شاسعاً داخل الغرفة الواسعة و التي كذلك دلت على القدم و الرقي في آنٍ
واحد..جلسا يتناولان العشاء و قد حرص على أن يجلس أمامها و يرسم تلك الابتسامة
العذبة على شفتيه كلما نظرت إليه كي يطمئن قلبها!
علم أنها لاتزال محتارةً بأمره من تلك النظرات القصيرة
التي تختطفها كلما تتح لها الفرصة لذلك..أجل لقد كانت تراقبه عن كثب و كأنها تريد
قراءة ما يدور داخل ثنايا عقله! و لكنها تعود لمقاومة نفسها و معاتبتها بقسوة
( لقد قلتِ بأنكِ ستمنحينه فرصة...لقد قلتِ بأنكِ
سامحتيه و صدقتيه..إذن دعيكِ من هذه الشكوك السخيفة..لماذا لا تكفين عن النظر إليه
يا فتاة؟! لماذا سوء الظن هذا؟!)
تنهدت ثم باشرت بتناول طعامها و هي تمدح به قائلة باستمتاع
" إن طهوك ليس سيئاً يا جيرالد, بل إنه لا
يقاوم...لم أعهد من قبل أنك ماهرٌ بالطبخ! "
ثم أكملت مازحة
" يجب عليك أن تفتح مطعماً يا أخي!"
أخذ يقلب الطعام بطبقه ثم علق ضاحكاً و هو يشير إلى
الكأس الذي أمامها
" حقاً!...يجدر بكِ أن تجربي الشراب الذي أعددته
كذلك! "
ابتسمت ثم ألقت بنظرة إلى ما يحويه من شراب
البرتقال..رفعت الكأس و قربته من فمها ..كانت تقاوم نفسها و هي لا تعرف لماذا
قلبها غير مرتاح؟! أرجحت ذلك إلى أنها تتوهم أو ربما هذا بسبب شجارها معه
بالأمس!..و لكن عندما كاد الكأس أن يلامس شفتيها تنبهت إلى نظراته التي حدقت بها
بشغف و ترقب!!
" ما الأمر؟! هل هناك شيء ما؟! "
قالتها بتساؤل و قلق و هي تنظر بعيني أخيها الذي صرف
نظره إلى الطبق متداركاً نفسه قبل حدوث مشكلة فقال مبتسماً بسعادة و حنين
" لا شيء هناك يا إيمي...فقط أنا سعيد لجلوسنا
معاً...و سعيد بهذا الدفء الذي أشعر به"
ثم باشر بتناول العصير أمام عينيها حتى ترح بالاً, و
بداخله أخذ يوبخ نفسه على ذلك الاندفاع فلقد كاد أن يخرب الخطة المحكمة بتهوره !
" أتعلم أنك تشبه أمي كثيراً عندما تبتسم؟! لابد
أنهما سعيدان الآن بتصالحنا ذلك! "
اهتزت الملعقة بيده لتسقط بطبق الحساء مباشرةً بعد أن
أنهت إيميليا كلامها المفاجئ هذا! لا يعرف لماذا قالت ذلك الآن؟! أو ربما لا يعرف
لماذا انتابته تلك الرجفة عندما سمعها تقول ذلك؟!
تنبهت إيميليا لوجوم أخيها فانتابتها مشاعر الريبة و
القلق..فصاحت قائلة
" جيرالد هل أنت بخير؟! "
أفاق الآخر من شروده ثم نزع تلك النظرة من عينينه ليرسم
مكانها ابتسامة قائلاً
" لا شيء..أنا على ما يرام..دعينا نكمل العشاء!
"
أومأت برأسها ثم بدأت تشرب من كأسها ذلك الشراب الذي
أعده خصيصاً لها و لكنها توقفت بعد أن رشفت منه رشفتين أو ثلاثة قائلة باستغراب
" هل هذا برتقال حقاً؟! إن طعمه متغير قليلاً..أشعر
بأنه... "
صدها جيرالد قبل أن تكمل كلامها قائلاً
" إنها مكونات سرية..هذا ليس برتقالاً فقط فلقد
خلطت به بعض النكهات الأخرى...ألا يعجبكِ؟! "
صمت برهة ثم أردف قائلاً و قد ارتسمت بعينيه نظرات غريبة
لم ترها إيميليا التي اطمأنت و واصلت الشرب
" سوف تستمتعين بمذاقه...قريباً جداً ! "
لم تلق لكلماته الأخيرة بالاً..ربما لم تسمعها جيداً, و
ربما لأن رأسها قد بدأ يؤلمها قليلاً بعد انتهاء العشاء!
لم تعرف لماذا اعتراها الكسل فجأةً و هي التي كانت بأوج
نشاطها منذ قليل؟! أو لماذا تشعر بالنعاس يداعب أجفانها؟! هذا غريب!
أمسكت برأسها عندما اشتد الدوار أكثر, فتمتمت بصوتٍ
منخفض
" ربما ذلك بسبب البكاء الكثير!"
نهضت من مقعدها حتى تغادر المكان و تصعد إلى غرفتها..لأن
السرير هو جل ما تفكر به و قد بات الأولوية الأولى الآن و لا شيء سوى النوم
سيريحها من ذلك التعب!
راقبها جيرالد و هي تسير بخطواتٍ مترنحة..فنهض خلفها و
سار على مقربةٍ منها, و عندما كادت أن تسقط على الأرض أسندها بساعديه و قد اصطنع
ابتسامة مزيفة على شفتيه تعبر عن الحنان المزيف كذلك! ثم قال بتأثر
" يبدو أنكِ بحاجة إلى النوم يا صغيرتي...سوف
أنقلكِ لسريرك الآن!"
لم تجبه صغيرته بشيء لأنها بالفعل قد غطت بنومٍ عميق و
لم تنتظر!..ابتسم هو الآخر عندما رأى ذلك بابتسامة خبيثة تنم عن شر دفين و شيطان
قد تحرر من قيوده!
استنشق الهواء بعمق ثم أطلقه و هو يرفعها كطفلة تستلقي
بين ذراعي والدها ثم تمتم ناظراً إلى وجهها الشاحب الذي بدأ يتصبب عرقاً بارداً
" يبدو أن الخطة ستنجح بالفعل! و يبدو أن الأوان قد
آن!"
×××××××××××××××××××××
صوت طرقات منتظمة على الباب بدد سكون الليل و هدوءه
المقيت..فتحت عينيها تدريجياً و هي لا تشعر و لا تفهم أين هي؟!..نظرت قليلاً حولها
حتى اعتادت على الرؤية ففهمت أنها بغرفتها نائمة على سريرها الوثير!..تنبهت لصوت
الطرق الذي لم يصمت للحظة واحدة , فتمتمت بصوتٍ ناعس
" لم أنم هكذا منذ سنين!...يبدو أن جيرالد قد قرر
أن يوقظني و لكن ياله من مزعج! "
نهضت من فوق فراشها لتفتح له و إلا سيظل يطرق لنهاية
العالم! سارت بخطواتها نحو الباب ثم فتحته لتجد...لا أحد!
( هذا عجيب من كان يطرق الباب إذن؟! )
وقفت خارج الغرفة قليلاً و قد أخذت تتلفت حولها باحثةً
عن أي شخص! ربما كان الخادم هو من جاء ليوقظها و ليس جيرالد..و لكن عبثاً حاولت
فلم تجد أي شخص!
فتحت باب غرفة أخيها و لكنها لم تراه بداخلها! تعجبت ثم
قررت أن تهبط للبهو باحثةً عنه و عن الجميع!
نادت عليه و عليهم و لكن لم تأتها أية إجابة لتريحها من
ذلك الخوف و القلق!
( أين هو؟! هل خرج إلى عمله؟! و لكننا الآن قبيل الفجر! و
أين الخدم؟! هل هم بإجازة؟! ترى في أي يومٍ نحن؟! )
دارت كل هذه التساؤلات داخل ذهنها..فقفز بداخلها ذلك
المشهد المرعب من الماضي و أكثر ما أرعبها فيه هو الوحدة التي كانت تشعر بها حينما
تركوها بمفردها ليعود جيرالد بدونهما!
انحدرت دمعة على خدها ثم مالبثت أن قفزت من الخوف عندما
شعرت بشيءٍ ما يلمس كتفها من الخلف!...شيئاً بارداً له فحيح الأفعى و رائحة الموت!
تسمرت بمكانها متوجسة خيفةً من ذلك الشيء الذي لا تريد
أن تلفت رأسها لتراه! و تسارعت نبضات قلبها حتى كادت أن تنفجر عندما شعرت به
يحتضنها لتغرق داخل أعماقه المظلمة و الباردة!
" أمي...أبي تعالا...أرجوكما أنا خائفة! "
تردد ذلك الصوت الطفولي و الذي حمل رائحة الماضي داخل
وجدانها فقاومته بصوتٍ ضعيف
" اصمتي!"
ليعود ذلك الصوت الباكي يردد من جديد حاملاً معه تلك
الذكرى المؤلمة
" أريد أمي! "
تدافعت العبرات من عينيها الزرقاوين عندما أخذت تهز
برأسها حتى تبعد تلك الوساوس من عقلها و لكن لا فائدة فقد زاد الصوت و عاد الماضي الحزين
يتدفق بداخلها ليؤلمها, فغطت أذنيها بيديها لتحجبه و لم تعرف أنها لا تسمعه...بل
هو ساكن داخل عقلها!
أخذت تئن عندما آلمها التذكر و آلمها ذلك الشعور
البغيض..فصاحت لكي تهدئ من روعها
" ما هذا؟! هل بدأت أهذي؟! مؤكد أنني نائمة و سأصحو
بعد قليل! هذا كابوس لا أقل و لا أكثر..."
صمتت قليلاً عندما غرقت بالظلام أكثر فصاحت بانفعال طالبة
للنجدة
" أحدٌ ما يوقظني...أرجوك أيقظني يا جيرالد أو
انقذني لو كانت هذه هي الحقيقة! "
و لكن ليس هناك فائدة..يبدو أن لا أحد يسمعها أو ربما
صوتها لا يصل لأحد!..إن هذا الشيء سيبتلعها و يأخذها إلى أعماق الهاوية مالم
تقاومه!
( لا...لن أدع نفسي أغرق هكذا...لا ابتعد عني ..ابتعد )
أخذت تقاوم بكل جهدها..فلابد أن تصارع نفسها ..لم تيأس و
لم تستسلم لذلك الشيء..حتى ظهرت بالنهاية بقعة الضوء الضئيل..لتتخلل داخل ذلك
السواد و تنتشر كاسرةً الظلام..فابتعدت عنه سريعاً قبل أن يلتئم و لم تنظر إليه
لوهلة, بل حثت خطاها على الركض نحو باب القصر..
سوف تهرب من ذلك الكابوس المخيف بأي طريقة و مهما كلف
الثمن.يجب أن تخرج لتبحث عن أخيها..لابد أن تفهم ماذا يحدث معها؟!..هل الأشباح
عادت لتظهر لها و هي كبيرة الآن؟!
أدارت المقبض بعصبية و هي تسمع صوت ذلك الشيء يزحف
خلفها, و أخيراً انفتح الباب و لكنها أجفلت بمكانها و تصنمت كتمثالٍ حجري عندما
اصطدمت نظراتها به!
وقف أمامها ينظر للأسفل و قد تلوث قميصه و بنطاله الأسود
بالدماء, و تلك الخصلات الفاحمة كقطع الليل تخفي عينيه عنها..عرفته على الفور و قد
غاص قلبها في الأحشاء فشهقت متمتمة بجزع
" جيرالد! "
بنفس الوقت انحدر من يده سكيناً ملوثاً هو الآخر
بالدماء, و قد أحكم قبضته عليه! تقلص بؤبؤا عينيها المتسعتين و هي تنظر لذلك
السكين الذي ظهر فجأةً! ثم عندما جاءت لتنظر إليه وجدته يرمقها بعينين حمراوين
كالدم..مرتسماً على شفتيه تلك الابتسامة الشيطانية!
بدأت تتراجع للخلف بهلع و كل ذرة بجسدها كانت ترتعش
عندما وجدته يقترب منها ملوحاً بتلك السكين فصاحت المسكينة به ظناً منها أنه
سيتوقف
" جيرالد!...ماذا دهاك يا أخي؟!..ماذا ستفعل؟!
...أفق أرجوك!"
لم يجبها و ظل يتقدم نحوها فتراجعت قبل أن يمسك بها, ظلت
تحدق بوجهه الذي لم تختفِ من فوقه تلك الابتسامة ! و هي لا تعلم إلى أين ستذهب؟!
نظرت حولها و خلفها حتى لا تقع و يقضي عليها, كانت
دموعها الغزيرة تزيد من ضحكاته المجنونة!
توقف أمامها فتوقفت بدورها ظناً منها أنه عاد لرشده, صوت
أنفاسها المتسارعة هو ما يتردد بالمكان حوله ليزيد من هلعها أكثر!
( لماذا لا يتحرك؟! )
صاحت به في قلق عندما مر الوقت و هو بهذه الحال!
" جيرالد! "
ازدادت ابتسامته ثم توهج ذلك اللون الأحمر الذي تدفق
داخل عينيه قائلاً بنبرات السفاحين عديمي الرحمة
" الآن إيميليا...الآن صغيرتي...قد حان دوركِ
!"
ضج المكان بضحكاته الساخرة و التي وحت بأن صاحبها لا
يحمل قلباً أو مشاعراً بداخله, فارتعدت و هي تبتعد للخلف غير مصدقة ما قاله أخوها
للتو! هزت رأسها و قد تناثر شعرها القرمزي على كتفيها و وجهها ليلتصق بدموعها..
قلبها يتسارع و كل شيءٍ فيها بات واهناً..لا تستطيع أن
تنجو بنفسها لأن عقلها يصارع نفسه و لا يفكر الآن سوى بـ..
( هل هذه حقيقة؟!...هل سيقتلني جيرالد؟!...ألم يطلب مني
الصفح منذ قليل؟!..هل هذه نهايتي أم....)
____________________________


تنويه صغير: الرعب هيبدأ بنهاية هذا الفصل
+ القصة بتمر بمراحل زمنية مختلفة يعني في ماضي و حاضر و مستقبل
استنتجوا الماضي من الحاضر من المستقبل
--
و كما قلت لكم...إن عدت ان شاء الله هكملها
ليه رايحة فين ؟
مش هروح في حتة...بس تعبانة و السخونية عندي طولت لو خفيت من الالم اللي انا فيه هبقى ارجع
وآآو
مبدع جداااااااا
يعطيك العافيه ايرومي
قسم
استمتعت كسيرا ب الكراءه <<كف
Qamar
يبدو انكِ اخطأتي... انا آيريس هذه ليست قصة ايرومي
و لكن على العموم أشكرك
الف سلامة
ياريت ما تنقطعيش عن الكتابة
ان شاء الله حقرآ من الجزء الثاني
بس في ايام الازازة
شكراً لك يا عدي ...الله يسلمك =)
ان شاء الله ارجع تاني بس أكمل الفصل الخامس :)
اوك بانتظار تعليقاتك على الفصول ر=
--
ترقبوا الفصل الخامس ^^
هاي
ان شاء الله راحت السخونة
قصة حلو ومشوقة
اهلاً يا عدي منور =)
الحمد لله السخونة خفت بس الزكام لسه مش خف ههههه^^
شكراً ليك و ان شاء الله تنال اعجابك لحد نهايتها ^^
إرسال تعليق