هذا الفصل أطول من السابق أخذ 15 صفحة بالوورد ..أتمنى من أعماق قلبي أن أكون كتبته بشكلٍ جيد..ربما تأخرت بنشره لكن نفسيتي كانت مضطربة قليلاً أو ربما كثيراً...حسناً لن أطيل الثرثرة و سأضعه بين أيديكم و أشكر كل من قرأ و علق بأحرفٍ ذهبية على روايتي و كل من قرأ بصمت و رحل ...شكراً لكم =)
الفصــل الخـــامــس
" أشبــاح المــاضــي"
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
رينـارد!!!
منذ متى عرفته إيميليا ؟!..حقيقةً هي لا تعلم متى؟! لا
أحد يعلم كذلك؟!
و لكنه يمثـل كل شيء جميـل بحيـاتـهـا..
..إنه روحهـا .. عقلهـا .. و قلبـها النابض.. إنه كل
شيءٍ بالنسبة لها!
إنه ذلك النسيم الذي يحمل الأمل بالغد المشرق..
جميل أن يكون رينارد موجوداً..إنه يهون عليها آلامها و
جراحها..
و لكن يظل سؤالاً واحداً يتردد صداه بالأفق ....
" متى؟!..متى؟! "
------------------------------------------
( ما تلك الرجفة التي أشعر بها؟!...أين أنا؟! )
تخلخل ذلك الصوت المذعور داخل غياهب عقلها و الذي ردد
كثيراً بهلع
" إيمي! صغيرتي! يا إلهي ماذا أصابكِ؟! أفيقي هيا يا
عزيزتي"
منتشلاً إياها
من وسط حلمها المظلم و الذي قد أثقل كثيراً قلبها و جثم فوق صدرها ليخنقه!
فتحت عينيها تدريجياً و هي تشعر بالغرابة و الضياع!
أفاقت لتجد نفسها ممددة على الأرض الرطبة أمام باب القصر و دموعها قد جفت على
وجنتيها و جعلت جلد وجهها متيبساً, فآلمها كثيراً..
جلست على الأرض و هي تمسح بيدها بقايا الدموع, ثم ألقت
بنظرها إلى جوارها لتجد جيرالد يرمقها باندهاشٍ يعانقه القلق و الارتياب معاً!
على مرأى منه قطبت حاجبيها و عبس وجهها ليطفئ شبح الرعب بريق
عينيها و هي تزحف للخلف مبتعدةً عنه! انفرج فاهه و هو يراها تتصرف بذلك الشكل
المريب ثم تساءل و كأنه لا يعلم شيئاً
" ماذا بكِ يا صغيرتي؟! لماذا تبتعدين عني
هكذا؟!..هل أنا مخيف لهذه الدرجة؟! "
و لكن بداخله كان يعلم الإجابة جيداً, كان منتشياً و هو
يراها بتلك الحال..إن خطته تسير كما أراد لها!
بكت إيميليا و هي ترفع بسبابتها التي أخذت تهتز نحوه ثم
اتهمته قائلة بصوتٍ مرتعش
" أنت...أنت تريد أن تقتلني."
اتسعت عيناه فور تلقي ذلك الاتهام المريع ثم قال بتعجب
" أنا! كيف؟! متى؟! و لماذا سأقتلكِ؟! "
اقترب منها قليلاً حتى يهدئ من روعها و يزيل خوفها و
لكنها زحفت أكثر و ضمت ركبتيها إلى صدرها بذراعين مرتجفتين و هي تصيح قائلة
" لا..ابتعد عني! "
توقف بمكانه و هو يهز برأسه و كأنه غير مصدقٍ لما يحدث
أمامه و متأثراً لحالتها تلك..عندها قالت بانفعال
" لا تنظر إليَّ هكذا..أنا لست مجنونة!...لقد رأيتك
و أنت تشهر سكيناً بوجهي أخرجته من إحدى أكمامك! "
فتح ذراعيه بحركة تعني أين ذلك السكين؟! تعالي و ابحثي
عنه إن أردتِ ! ثم أخفضهما و هو يقول بعد أن تنهد متعباً
" عزيزتي هل سأقتلكِ هكذا من تلقاء نفسي؟! ألم
نتصالح بالأمس؟! إن كنت أود قتلكِ لكنتِ ميتة الآن!..هذا بالإضافة إلى أنني لا
أحمل أي سكينٍ معي!"
غمغمت بخوف و هي تنظر له بتشكك
" و..و لكن!"
" و لكن ماذا؟!...لقد صحوت من نومي على صوت بكائكِ
و صراخكِ فهبطت للبهو لأجدكِ نائمة أمام الباب تهذين بحلمكِ...انتابني القلق و
الخوف عليكِ لذا, أخذت أحرككِ يميناً و يساراً منادياً عليكِ حتى تفيقي من ذلك
الكابوس!"
صمت قليلاً بعد أن أرهقه الشرح لها ..التقط أنفاسه ثم
واصل كلامه و قد ارتسمت تلك النظرة الساخرة بمرارة داخل عينيه و انطبعت فوق شفتيه
" و أظن أنكِ تعرفين أكثر من غيركِ بأنني مستحيل أن
أفعل ذلك...أنتِ تعرفين السبب"
فهمت إيميليا ما قصده بكلامه, شعرت بأنها كانت طفلة
سخيفة مزعجة للغاية عندما تصرفت بتلك الطريقة البلهاء..كان من المفترض أن تعرف
جيداً أن هذا حلماً فكيف لجيرالد أن يكون أحمر العينين؟! ليس هنالك بشر بأعين
حمراء بعد!..كانت تود الضحك من سذاجتها و صفع نفسها على ما فعلت لأنها ذكرته بشيءٍ
لطالما حاول أن يتناساه!
أنكست برأسها و هي تستند بيديها على الأرض ثم أجهشت
بالبكاء و لم تراه و هو يقترب منها ليجثو أمامها مربتاً على كتفها, فقالت بصوتٍ
واهن معذب
" صدقني لم يكن حلماً عادياً..لقد شعرت بكل شيء و
كأنه حقيقة! "
كانت ترتجف من البرد ..لا عجب في ذلك و قد كانت ترتدي
قميصها الأبيض قصير الكمين و الذي يصل إلى ركبتيها وسط ذلك الجو البارد !
خلع جيرالد معطفه الأسود ثم لفه عليها حتى تدثر به و تدفأ
ثم صاح بهلع بعد أن جس رأسها بيده
" يا إلهي! إن حرارتكِ مرتفعة يا صغيرتي.."
زفر بضيق ثم عاتبها قائلاً
" ما الذي جعلكِ تنامين هنا؟! لماذا أنتِ مهملة
بهذا الشكل؟! "
أما هي فيبدو أن الحرارة المرتفعة قد أثرت عليها و
جعلتها تزيد من بكائها المرير و هي تقول بصوتٍ خنقه الدمع محاولة تجميع حروفها
" جيرالد..أريد أمي و أبي..أريدهم بشدة! "
وثب قلبه عندما تفاجأ بذلك الكلام..حاول أن يهدئها و لكن
لا فائدة فيبدو أنها لن تسمعه حتى و إن صاح بها! ابتسم بخبث و هو يتمتم بصوتٍ
منخفض
" هذا جيد!"
حملها من على الأرض بين ذراعيه فتشبثت بقميصه و شدت من
قبضتها عليه و هي تهذي مرددة
"
أمي...أبي"
يبدو أنها بعالمٍ آخر لدرجة أنها لم تشعر به و هو يصعد بها درجات
السلم ثم دلف بها إلى غرفتها ثم قال لها و هو يضعها فوق فراشها متصنعاً الأسف و
الحزن على حالتها تلك
" سوف أعطيكِ دواءً ليخفض حرارتكِ قليلاً صغيرتي
"
رفعت ببصرها الذي قد أغدقته الدموع و نفخت حدقتيها عندما
لم تقوّ على الكلام فقط نظراتها كانت تعبر عن مدى عذابها و تعبها ,فناولها جيرالد
قرصاً أخرجه من جيب بنطاله الأسود قائلاً و على شفتيه ابتسامة مطمئنة
" هيا أميرتي الصغيرة تناولي الدواء كي ترتاحي من
تلك الأوجاع"
كانت نظرات الاستفسار عن ماهية ذلك القرص الزهري الغريب
تطل من عينيها ؟!و لكن كلمات أخيها و نظراته العطوفة أراحت قلبها, فرفعته إلى فمها
و ابتلعته عن طيب خاطر واثقةً فيه,و ماهي إلا ثوانٍ معدودة حتى شعرت بدوارٍ طفيف
مالبث أن تحول لفيضانٍ من الألم يجتاح رأسها فأمسكته و زادت بالضغط عليه حتى يصمت
عن ضجيجه و تهدأ نيرانه المتقدة!
ازدادت الابتسامة الشريرة على وجهه و هو يراها بتلك
الحالة المريبة فقال متصنعاً البراءة و اللطف
" يبدو أنكِ تشعرين بالنعاس الآن! حسناً سأترككِ
لترتاحي قليلاً."
لم تره إيميليا لأنها كانت قد فقدت السيطرة على أجفانها
فانغلقتا رغماً عنها حتى لم تسمعه لأنها كانت قد فقدت الوعي مغشياً عليها فوق
سريرها الأبيض الصغير!
وقف قليلاً أمامها و قد التمعت نظراته القاسية و هو
يرمقها بسخرية و حقد..كان التشفي بادياً على ملامحه! ثم اتجه لباب الغرفة و قبل أن
يخرج التفت ليتأكد أنها مستغرقة بالنوم ثم علق ساخراً بصوتٍ منخفض
" أتمنى لكِ الشفاء العاجل...يا صغيرتي!"
تركها وحيدة بغرفتها المظلمة..تتصبب عرقاً بارداً في
الجو المثلج!..
لم يبالِ بها و لم يرق قلبه لها..عيناه تتقدان بالكراهية المخيفة..نظراته
تبث الرعب بالقلوب .. و على شفتيه اعتلت ابتسامة شيطانية خبيثة منذ الأزل..و لو
كان الشر مخلوقاً بشرياً فسيكون جيرالد!
×××××××××××××××××××××
تمددت فوق
سريرها الأبيض الذي توسط الغرفة الواسعة ذات الألوان الهادئة و الناعمة و التي بعثت
بنفسيهما الاسترخاء.. و على ضوء الثريا الصغيرة المتدلية من السقف ظهرت ابتسامة
سعيدة قد توّجت ثغرها الرقيق رغم ذلك الإرهاق الواضح على وجهها و الذي بدا واضحاً
من عينيها..و بجوارها تمدد وليداً صغيراً حديث الولادة كان مغمض العينين و ذو بشرة
حمراء طرية! ضمته تلك السيدة بيديها في حبٍ و حنان عندما سمعت زوجها الذي قطع حبل أفكاره
فجأةً بابتسامة رائعة هاتفاً بسعادة و مرح
"إيميليا!...ما رأيكِ بذلك الاسم يا عزيزتي؟! أليس
رائعاً و خلاباً مثلها؟!"
و يبدو أن الاسم قد راق لها فتلألأت عينيها ببريق البهجة
و هي تقول بصوتٍ مرهق قليلاً
" يا له من اسمٍ جميل يا عزيزي!..إنه رائع و جذاب
مثل صغيرتنا"
نظرا بأعين الحب للوليد الصغير و الذي اتضح أنها فتاة
صغيرة مولودة, ثم حملها الأب بين ذراعيه برفق و ضمها إلى صدره الذي كان يخفق بينما
عينيه امتلأت بالدموع التي بدت مشدوهة و غير مصدقة أن الحلم قد تحقق أخيراً و أنه
يرى الآن طفلته التي لطالما انتظرها بفارغ الصبر...طفلته التي ستحمل اسم عائلة
روكفيلر!
كانت الصغيرة و التي أصبح اسمها إيميليا شديدة الجمال
بحق..كانت تشبه والديها حيث أن شعرها حمل اللون الأحمر القرمزي كوالدها..أما
العينان الزرقاوان و الفم الأحمر الصغير كانا مثل والدتها..لقد كانت كملاكٍ أبيض
صغير و رقيق!
و بإحدى زوايا الحجرة كان واقفاً بصمت يراقب تلك السعادة
التي طلت من أعينهم و التي غمرت المكان بنوعٍ من الاشمئزاز و القرف!
الكل منشغلاً و سعيداً بها و لا أحداً يأبه به! يبدو أن
هناك صراعاً يتولد بأعماق ذلك الطفل الصغير! و يبدو أن بوابة الجحيم قد دق ناقوسها
لتنفتح على مصراعيها!
×××××××××××××××××××××
" جيرالد! لماذا ضايقتها و جعلتها تبكي؟!"
دوى صوتها الغاضب بالمكان متردداً داخل طرقات عقله فشعر
بأن نظراتها المنزعجة ستلتهمه فقال مدافعاً عن نفسه بكذب
" أنا لم أفعل شيئاً لها..هي التي تبكي من تلقاء
نفسها!"
عقدت ذراعيها أمام صدرها و زفرت بضيق من ذلك الجواب الذي
لم يقنعها أبداً, فاهتزت خصلات شعرها الأسود و هي تدق بقدمها اليمنى على الأرض ثم
نهرته قائلة بوجهٍ عابس
" لا تكذب يا جيرالد..فلقد رأيتك و أنت تأخذ
ألعابها بشدة!"
أكملت بعتابٍ بعد أن تبدلت نظرتها من غضب إلى حزن
" ألا تعرف أن شقيقتك صغيرة و رقيقة؟! لماذا
عاملتها بتلك القسوة؟! ألم تعدني بأنك ستشاركها اللعب؟!"
تنهد الفتى الصغير ثم قال و هو مصمماً على العناد
" لم آخذ شيئاً منها أبداً!"
" أنت كاذب!"
رنت تلك الجملة مراراً و تكراراً داخل أعماقه كالأجراس..جعلت
الحنق يتأجج نيرانه داخل قلبه فصاح قائلاً و هو يغمض عينيه بعصبية و يشدد على
قبضتيه
" أنا لست كاذباً...هي الكاذبة و المخادعة الوحيدة
هنا!"
اتسعت عينا الأم منصدمةً عندما سمعته يقول ذلك الكلام عن
أخته, شعرت بالخزي من رؤيتها لما يفعله جيرالد أمامها من سلوك مشين بالنسبة
لها..لقد خذلها تماماً و هي التي ربته على الأخلاق الحميدة!
وضعت بيدها على رأسها عندما شعرت بالألم ثم أصدرت أمرها
الصارم قائلة
" لا تقل عن إيميليا ذلك..إنها ابنتي و أنا ربيتها
جيداً..هيا اذهب و اعتذر لها و فوراً!"
انصعق فور سماعه لذلك الكلام و كأنها قنابل قد قصفته بها
فقال بتحدٍ و جرأة
" لا لن أفعل ...و مهما حدث لن أعتذر لها"
و هاهو يخذلها أكثر و يثبت لها عن وقاحة كانت مخفية أو
ربما نشأت من العدم! فقطبت حاجبيها ثم قالت هذه المرة بصرامة و حدة أكبر
" إذا لم تعتذر لأختك فلسوف تعاقب عقاباً
شديداً..من يخطئ يتحمل ثمن خطأه, لا ينفع أن تخطئ و تنجو بفعلتك هذا غير راقٍ
أبداً فنحن لسنا بغابة هنا!"
كانت كلماتها تحمل لهجة التهديد في سياقها..و الأسوأ
أنها خدشت كبرياءه و كسرته!
( أكل هذا من أجل تلك التافهة؟! لماذا؟! )
دارت تلك الأسئلة داخل ذهنه المشتعل و هو يرى والدته
لازالت ترمقه بالغضب منتظرةً منه أن ينفذ أمرها!
حدجها بنظرات غريبة ثم أطرق رأسه للأسفل بعدها مغمغماً
بجمود
" كما تريدين يا....أمي!"
لم تصدق الأم نفسها و هي تراه قد وافق أخيراً, فارتاح
قلبها ثم طبعت قبلة صغيرة على رأسه كمكافأة له و لكي تشجعه كذلك على الاعتذار ثم
قالت بحنان
" هذا هو ابني الذي أعرفه"
أراد أن يضحك ساخراً و بمرارة من كلماتها تلك..و بداخل
قلبه أجاب
( أجل ابنكِ!)
..و تحت شجرة الصنوبر العملاقة كانت تجلس مستظلةً بظلها و
تلهو بألعابها في مرح و لم تدرِ بالشجار الذي حدث بين والدتها و شقيقها للتو
بسببها!
و كيف لها أن تعرف و هي لم تذهب و تخبرهم عما حدث؟!
دائماً يعاملها جيرالد بتلك الخشونة و القسوة و يسلب منها ألعابها و أحياناً
يهشمها و لكنها تؤثر الصمت و تنسحب إلى غرفتها لتبكي بمفردها ثم تنسى ما حصل!
أما هو فقد كان في طريقه إليها لينفذ أوامر والدته
العليا رغماً عن أنفه! و لكنه توقف على مقربةٍ منها ثم راح ينظر إليها بعينين
حادتين يملأهما الحقد فغلت الدماء داخل عروقه ليشدد بقبضته اليمنى في غلّ حتى كادت
أن تنزف! و يبدو أنه جلس فترة بذلك الشكل حتى لمحت إيميليا حذاءه أمامها فرفعت
ببصرها لترى نظرات الاحتقار منصبة فوق رأسها!
نهضت من مكانها و تركت دميتها التي كانت تلهو بها تسقط
من يدها عندما تفاجأت و بنفس الوقت خافت! أخذت تنفض الغبار من على فستانها السماوي
الصغير و قالت بصوتٍ متردد اتخذ الرعب كظلٍ له
" أخي!..ما الأمر؟! هل تريد شيئاً آخر مني؟! "
ظل الاحتقار رفيق نظراته لها و هو يرمقها من أعلى رأسها
لأخمص قدميها ثم أجابها بنبرات تشبه نظراته
" لا شيء..فقط أود أن..."
صمت عن الكلام عندما أدرك أنه لن يستطيع نطقها, فكبرياءه
أعلى من ذلك و لسانه لن يقدر على قولها..إنه يفضل الموت على أن يعتذر لها! و
بداخله راح يخبر نفسه
( أنا جيرالد الذي لم أتأسف لأي أحدٍ بحياتي سأعتذر لتلك
المخلوقة الشنيعة الآن! )
قاطعه صوتها
الصغير و الذي خرج ضعيفاً عندما قالت ببراءة
" ماذا جيرالد؟! هل أنت مريض؟! "
اقتربت منه ثم رفعت بيدها كي تقيس حرارة رأسه, لتتلقى
بدلاً من الشكر و الحنان ضربة أطاحت بيدها و أبعدتها عنه ثم قال بعدها باستياء
" لقد جئت لأقول أنني آسف يا إيميليا!"
و أمام عينيها المنذهلتين ابتعد راكضاً إلى داخل القصر
مغلقاً عينيه التي علقت بها بعض الدموع,لكي يمنعها من النزول فهو أقوى من ذلك!
كانت عينيها تتبعانه و هو يركض و بقلبها شعرت بالأسف
تجاهه و أنها يجب أن تصالحه لأنه حزين! فقررت اللحاق به و الاعتذار مثلما فعل
معها!
وقفت أمام غرفته و قد ارتعشت يدها قبل أن تطرق على الباب
ليأتي ذلك الصوت المتسائل من الداخل
" من؟! "
ترددت كثيراً قبل أن تجيب
" إنه أنا...إيميليا!"
" ماذا تريدين؟! "
قالها بتهكم و اشمئزاز بان بنبرات صوته..فأجابته و قلبها
يدق من التوتر
" هل تسمح لي بأن أدخل؟! هناك أمرٌ هام أريد أن
أطلعك عليه!"
صمت برهةً انتظرت بها إيميليا قراره, ثم بعدها سمعته
يقول باقتضاب
" ادخلي"
دفعت الباب بيديها الصغيرتين ثم خطت بخطواتها المتلكئة
نحو الداخل, كانت مرتابة من أن يصرخ بوجهها أو يرمقها بتلك النظرات التي تخيفها! و
لكنها زفرت بصوتٍ مكتوم عندما وجدته واقفاً ينظر من النافذة..فاقتربت قليلاً منه
ثم توقفت خلفه و هي لا تعرف ماذا تقول؟! هل تسأله عن لماذا اعتذر؟! أم تعتذر و
تذهب ؟!
عندها فوجئت بصوته المضّجر يسألها
" هل سيطول ذلك الصمت؟! ماذا تريدين مني؟!"
شعرت بالإحباط كثيراً لأنه يعاملها بذلك البرود و تلك
الفظاظة و هي التي جاءت لتخفف عنه! فأطرقت برأسها للأسفل صامتة لا تتكلم لفترة
قصيرة و لكن يبدو أنها كانت كبيرة و ثقيلة على صدر أخيها الذي قطعها عندما التفت
مواجهاً إياها ليجدها ترمقه بنظراتها الطفولية البريئة و قد وضعت إبهامها في فمها
عندما لم تعرف ماذا تقول؟!
تجهمت ملامح وجهه ثم صاح بقسوة أرعبتها
" يبدو أنه ليس هناك شيء..لماذا أتيتِ إذن؟! هل
لتشاهدينني و أنا بتلك الحالة؟! هل لتشمتي بي قليلاً؟!"
أبعدت إبهامها عن فمها ثم أطبقت بيدها على فستانها
الصغير و هي ترمق الأرض قائلة بكلماتٍ مبعثرة و صوتٍ منخفض
" أنا...أقصد...إنني...لنلعب معاً يا جيرالد!"
هكذا ختمت كلامها ثم نظرت لأخيها كي تستعطف قلبه, فربما
وافق على اللعب معها..هكذا كانت تتمنى! و لكن دائماً تاتي الرياح بما لا تشتهيه
السفن!
انقلب وجه أخيها و أصبح أكثر انفعالاً و غضباً! خافت من
أن يصرخ بها أو يضربها فقالت بسرعة حتى توقفه
" لماذا اعتذرت يا جيرالد؟..أنا لم أكن غاضبة
منك!"
توقف بمكانه و هو يرمقها باستهزاء..بعدها طغت ضحكاته
الساخرة على كلامها ثم قال
" و هل ظننتِ حقاً بأنني اعتذرت من أجلك؟! ياللسخف
و يالغباء عقلكِ الصغير!"
صمت قليلاً ثم اعتصر ذراعها في غلّ موجعاً إياها و
مكملاً كلامه و هو يضغط على كل حرف ليظهر شعوره الحقيقي نحوها
" عذراً أيتها الصغيرة فأنا لست من هذا النوع
المتسامح! لقد اعتذرت فقط من أجل أن أتجنب العقاب و ليس من أجلك أيتها الغبية
لأنني لست بحاجةٍ لكِ و لا لاعتذارك السخيف! "
قطع كلامه فجأةً و أغمض عينيه عندما شعر بذلك الألم يعتري
صدره! فشعرت إيميليا بالقلق عندما لاحظت أيضاً ذلك التغير الذي طرأ عليه و لكن قبل
أن تسأله عن ماذا حدث له؟! فاجأها هو صارخاً عليها
" اغربي عن وجهي هيا!"
لكم أوجعتها تلك الكلمات, و بداخلها تساءلت محتارةً في
أمره
( لماذا؟! لماذا يقابل ما أفعله بتلك القسوة و الكراهية؟!
ماذا فعلت له ليفعل هذا معي؟!)
كانت لا تزال واقفة أمامه ترمقه بنظراتٍ مشتتة و مستغربة
من تصرفاته العجيبة! فضايقه ذلك كثيراً و فجأةً و قبل أن تفهم ما يحصل؟! جذبها من
ذراعها و سحبها للخارج ثم صفق باب غرفته بقسوة بعد أن رآها و هي تسقط على الأرض من
شدته!
لقد آلمها ذلك كثيراً و هي لا تزال غير مستوعبة لما حدث!
ترقرقت تلك الدموع في مقلتيها ثم انسكبت عندما شعرت بالإهانة فاحمرت أذناها و ارتعشت
شفتها السفلى و هي تقول
" ياله من متعجرف و قاسٍ!"
×××××××××××××××××××××
في أعماق الظلام الحالك دوت تلك الصرخة القاتمة مبعدة
شبح السكون المخيم على المكان..و من ثم ظلت تتغلغل و تتسع مثل الموجات الدائرية
التي تحدث عندما تلقي بحجرٍ في نهر!
فتحت عينيها مذعورةً ثم شهقت من الخوف عندما أيقظتها تلك
الصرخة العميقة من جوف أحلامها! لم تفهم أين هي؟! و لكنها شعرت بأنها مستلقية على
أرض خشنة و رطبة قليلاً..تقززت ملامح وجهها ثم أخذت تتلفت يميناً و يساراً لتجد أن
كل ما يحيط بها هو الظلام فقط!
" أين أنا؟! ما هذا المكان العجيب؟! "
تفتقت تلك الأسئلة من شفتيها المرتجفتين و من ذهنها
المرتبك! فبالفعل أنى لها أن تكون بذلك المكان؟! و من نقلها له و هي على ما تذكر
كانت نائمة فوق فراشها الدافئ؟!
هزت برأسها ثم فركت عينيها حتى تفيق..نهضت من مكانها
عندما اعتادت على الرؤية قليلاً و قد اتضحت بعض المعالم أمامها فأخذت تتأمل و هي
تفكر
( إنه يشبه القبو! لا لا إنه كهف! أو مدينة مهجورة !..لا
ربما كان...لا أعرف أين أنا ما هذه البلاهة؟! )
مزقت تلك الصرخات المستغيثة السكون من جديد منتشلةً
إياها من جعبة أفكارها, فانتفضت بمكانها متفاجئةً و قد نبض قلبها من الخوف.. و
لكنها حاولت الحفاظ على هدوئها قائلة لنفسها بصوتٍ مسموع
" اعقلي يا فتاة ليس هنالك أي شيء مخيف سوى الظلام
فقط! مستحيل أن يكون ما يصرخ شبحاً مثلاً !"
ترسخت تلك الفكرة بداخلها و أرعبتها حينما تذكرت خوفها
من الأشباح عندما كانت طفلة! و كذلك عندما خطر ببالها ما حدث بالأمس حيث ذلك
الكابوس المريب!
شددت بقبضتها على ثوبها كعادتها المعتادة عندما تتوتر أو
تخاف, فباغتتها تلك الصرخة مجدداً و لكن هذه المرة تبينت أنها...لطفلة!
" هل هناك طفلة هنا؟! بهذا المكان؟! "
هكذا هتفت بجزع و استغراب ...كانت غير مصدقة لذلك, و
لكنها قررت البحث عنها و إيجادها قبل أن يقضي عليها هلعها..فركضت دون أن تنطق ببنت
شفة!
توقفت عندما أنهكها التعب فأسندت بيديها إلى ركبتيها و
انحنت قليلاً ملتقطةً أنفاسها, ثم اعتدلت من جديد و هي تمسح حبات العرق من على
جبينها متمتمة
" هذا غريب!"
لقد شعرت بأنها لم تبتعد و أنها لازالت واقفة بنفس
المكان! حاولت أن تتجاهل تفكيرها ثم واصلت ركضها لتكتشف...أنها تركض بمكانها و لا
تتحرك شبراً واحداً!
أخذت تقاوم نفسها و هي لا تفهم كيف يحدث ذلك؟! ثم قالت
بإصرار يشوبه التعب
" يجب أن أصل إليها..يجب أن أساعدها..رباه أرجوك
ساعدني!"
أغمضت عينيها و حاولت بذل جهد أكبر في الركض فلربما
ساعدها ذلك على التحرر من تلك القيود الوهمية السخيفة!..و عندما فتحت عينيها
ابتسمت بسعادة متنفسةً الصعداء و قد خرجت كلماتها المنهكة مقاومة أنفاسها و ضربات
قلبها السريعة
" أخيراً ابتعدت ! "
وثبت في مكانها فزعةً عندما ترددت الصرخات, و لكن بصوتٍ
أعلى من السابق فعلمت بأنها قد وصلت لمبتغاها!
تلفتت حولها باحثةً بعينيها عن أي أثر لأي طفلة بالمكان
و لكنها لم تجد أحداً...مطلقاً!
( هذا عجيب! كيف؟! أين هي؟! )
لازال الصوت يتردد صداه بالمكان حولها, مما جعلها تتلفت
أكثر حول نفسها كالمجنونة, و هي عاقدة العزم على أنه لابد من أن تجد تلك الصغيرة!
جالت بعينيها في أرجاء المكان حتى توقفت عندما اصطدمت
نظراتها بشيءٍ صغير كان يجلس ملتفاً حول نفسه في إحدى الأركان المظلمة بجانب عامود
إنارة قديم مائل قليلاً يكاد أن يسقط!
اقتربت من ذلك الشيء ببطء لتكتشف أنها طفلة صغيرة دفنت
رأسها بين رجليها المضمومتين إلى صدرها و قد أحاطتهم بذراعيها!
هالها ذلك المنظر و خاصةً عندما سمعت صوت نشيجها المكتوم
الخائف..فدنت منها أكثر و قد رق قلبها لحالها ثم تساءلت بعطف
" عزيزتي! هل أنتِ على ما يرام؟! ماذا حدث لكِ؟!
"
ظلت الصغيرة تبكي دون إجابة ثم بعد فترة قصيرة من
الانتظار هزتها برفق متسائلة من جديد
" عزيزتي ماذا أصابكِ؟! و أين هما والداكِ؟!"
فقط أنين و بكاء هو ما يصدر عنها..يبدو أنه لا فائدة من
السؤال و لكن هذا ليس رأيها فهي عنيدة الرأس و لابد أن تعرف ماذا حدث لها؟!
فتساءلت بعد أن أطلقت تنهيدة قصيرة
" عزيزتي يجب أن تخبريني ماذا بكِ لكي..."
قطعت كلامها عندما رفعت الطفلة برأسها فتراجعت للخلف حتى
كادت أن تسقط و شهقت مغمغمة بدهشة
" هذا غير معقول!"
توقفت و عيناها المتسعتان تحملقان بها بينما عقلها يتخبط
بألف سؤال محير
( تلك الأعين و ذلك الشعر..كيف؟! إنها تشبهني تماماً! )
شعرت بالخجل من نفسها و أحست بالذنب عندما رأت نظرات
الطفلة المرتعبة نحوها, فقالت بداخلها
( ما كان عليكِ أن تفعلي ذلك لقد أرعبتيها! )
صكت رأسها و ضحكت ببلاهة و هي تقول كي تطمئنها
" آسفة عزيزتي لقد أرعبتكِ ! و لكن كل ما في الامر
أنني تعجبت لأنكِ...لا أعرف ماذا أقول؟! و لكنكِ تشبهينني عندما كنت طفلة أو ربما
أنا من أتوهم ذلك! "
انحنت كي تصل لمستواها ثم وضعت بيدها على كتفها متسائلة
بحنان
" حسناً لا يهم, المهم الآن هو من أنتِ؟! و ما هو
اسمكِ؟! و أين عائلتكِ؟! "
لم تجبها و ظلت محتفظة بصمتها فقط ترقرق الدموع بمقلتيها
هو ما جعل قلبها يشفق عليها فوقفت واضعةً بيد على خصرها و الأخرى حكت بها جبهتها قائلة
بعد تنهد طويل و هي تجول ببصرها عبثاً أن تجد شخصاً آخر حي!
" حسناً لنحاول العثور معاً على والديكِ يا صغيرتي!
"
بالطبع لم تأتها أية إجابة, فقط صوت أنفاسها التي
تلتقطها من البكاء هي جل ما تسمعه! تنهدت مجدداً و لكنها كتمتها داخل صدرها لتتحول
إلى شهقة وجل عندما شعرت بتلك اليد الباردة تضغط عليها بقوة!
كانت ستصيح لولا أنها بصرت بجوارها لتجد تلك الصغيرة قد
وقفت تنظر إليها بعينين دامعتين و محمرتين ..مشددةً بقبضتها على يدها!
انقبض قلبها من برودة يدها و من تلك النظرات الثابتة و
التي لا تهتز أبداً!...و لكن تبدل ذلك الشعور المخيف إلى تعاطف و شفقة حالما أراقت صمتها
بتلك الكلمات الصغيرة
" لا تدعيني هنا!..لا أريد أن أكون وحدي!..دعيني
أذهب معكِ! "
ربما كانت بحة صوتها المتحشرجة الغريبة قد أرعبتها و
جعلتها تشعر بالصقيع و لكنها لازالت طفلة صغيرة لم تقترف أي ذنب لتظل وحيدة في
مكانٍ مظلم كهذا؟! لذلك ابتسمت لها مربتةً على رأسها الصغير و قائلة بأسلوبها
الحنون من جديد
" حسناً عزيزتي لن أدعكِ بمفردكِ...و لكن ألا
تعرفين أين والداكِ و من هما؟! "
أطرقت رأسها للأسفل و كأنها تتحاشى الجواب! فتعجبت من
ذلك التصرف و لكنها ظلت تسألها دون أن تمل
" حسناً يمكنكِ إخباري على الأقل عن اسمك! عمرك! أو
أي معلومة قد تفيدني بالبحث عن والديكِ!"
( غريب أمر هذه الصغيرة! لماذا هي صامتة هكذا؟! هل ترفض
إخباري أم أنها بالفعل لا تعرف أي شيء ؟! )
ذلك ما دار بذهنها عندما لم تلقَ أي إجابة أو ردة فعل
على أسئلتها..فقط الصمت هو ما يتجسد أمامها! عندها قررت أن تبتلع لسانها و تصمت هي
الأخرى و تصطحبها معها فلعلهما استطاعتا النجاة من ذلك الظلام الخانق!
يمضي الوقت بطيئاً ترى كم الساعة الآن؟! و متى ينقشع ذلك
الليل أم أنه دائم؟!
و بين الفينة و الأخرى كانت تسترق النظر نحو الصغيرة بزاوية
عينيها..لقد كان الشك يتسلل داخل قلبها فلربما كانت الطفلة مجرد كابوس آخر و لكنها
حاولت صرف تلك الأفكار الغريبة من داخلها و أكملت الطريق و هي تنظر أمامها!
تخطوان فوق طريقٍ أسفلتي أسود و على الجانبين تجاورت منازل
صغيرة مهجورة و بعضها متهدم! و هناك عواميد إنارة مكسورة و أخرى على وشك
الانكسار..و لكنك لا تجد أية واحدة سليمة مهما حاولت!
لا يوجد قمر و لا نجوم حتى لكي ترشدهما! فقط تلك الرائحة
العفنة و كأنها رائحة جثث تملأ المكان!
كتمت أنفها بيدها عندما تقززت من تلك الرائحة و التي
بدأت بالتزايد! ثم علقت ساخرة حينما رفعت ببصرها نحو الأعلى
" جميل على الأقل هناك أحياء أخرى غيرنا هنا!
"
هذا عندما رأت
غراباً كان يطير فوقهما ثم هبط فوق إحدى البيوت ينظر إليهما و عينيه السوداوان
تلتمعان بالظلام بشكلٍ غريب و كأنهما تريدان أن تخبرانها عن شيء!
أبعدت ناظريها عنهما و هي تكاد تقسم بأنها سمعت ذلك
الغراب يهمس بشيءٍ ما و لكنها لم تفهمه!
" ما هذا الغباء؟! هل هناك غربان تتكلم أيتها
الذكية؟! "
هكذا غمغمت بصوتٍ منخفض لتسخر من نفسها و حالها..و
بداخلها ظنت أنها قد وصلت لمرحلة الجنون!
هب بعض الهواء البارد ليقطع سيرها فجأةً و قد ارتجفت
أوصالها, فنظرت بجوارها لتكتشف أن الطفلة لم تعد بجانبها!
( أين ذهبت؟! )
تلفتت حولها باحثةً عنها بعينين هلعتين و قلب مرتاب حتى
وجدتها واقفة بالخلف بمكانها و لا تتحرك!
تساءلت داخل أعماقها بعجب
( سحقاً لم أشعر بها !متى أفلتت من يدي؟! و ماذا
أصابها؟! )
هرعت نحوها و بكل خطوةٍ تخطوها يتجلى القلق على ملامحها!
و حالما توقفت أمامها سألتها
" ماذا هناك؟! لم توقفتي؟! هل تشعرين بشيءٍ ما يا
صغيرتي؟! أم أنكِ تعبتي من السير؟!"
وضعت بيدها على كتفها لتهزها برفق و لكنها توقفت بل
أصابها الجزع عندما رفعت الفتاة رأسها ببطء!
الدماء...هذا ما استحالت إليه عينيها و امتزجت بدموعها و
لطخت وجهها و يديها! لقد تبدلت ملامحها من البراءة إلى التوحش و هي ترمقها بتلك
النظرات الغاضبة!
سرت رعشة قاسية كالجليد داخل جسدها الهزيل فتراجعت للخلف
عندما بدأت تلك الطفلة المتوحشة تقترب منها! تصاعدت ضربات قلبها و نبضت العروق
بداخلها فاستجاب عقلها مع تلك النبضات عازفاً سمفونية من الألم و محدثاً ذلك
الضجيج الحارق بأعماقها!
" من ...لا بل ما أنتِ؟! "
خرج ذلك السؤال من شفتيها المرتعشتين لتكسره بل تذريه
تلك النظرات الباردة التي رمقتها بها! تلك النظرات قد رأتها من قبل و لكنها لا
تذكر أين؟!
" اهربي!"
تلفتت حولها باحثةً عن مصدر ذلك الصوت الذي سمعته
بأذنيها و لكنها لم تجد أي أحد غيرها و غير هذه الطفلة العجيبة! فظنت أن ذلك الصوت
كان من مخيلتها الجبانة!
توقفت عن الحركة عندما وجدتها قد وقفت ثابتة أمامها
منكسةً رأسها للأسفل و شعرها الدامي قد غطى وجهها! بدا أن الوقت يزحف ببطء و هما
على تلك الحال ما بين ترقب و انتظار..خوف و قلق!
"
اهربي!"
عاود ذلك الصوت الحنون الهامس ليعبث بمخيلتها من جديد
متسللاً عبر الأثير المشبع بهالات التوتر و ضربات القلب و رائحة الموت..ليوقظها من
حالة الثبات تلك و يحفزها على الهروب لأن ذلك ليس وقت الانتظار بل وقت الركض! و
لكن ياللأسف لم تستمع تلك الساذجة لذلك الإلحاح و ظلت بمكانها ترمق الصغيرة و
كأنها واقفة أمام لاعب خفة تنتظر مفاجأته المدهشة أو...المرعبة!
تهتز كتفيها هل هي تبكي؟! لا إنها تصدر صوت ما..هل هو
أنين؟! لا ربما عادت تنشج من جديد؟! و لكنها لم تقترب منها مثل السابق لتربت
عليها!
( ما هذا؟! )
ازداد اهتزاز كتفيها و جسدها..تحركت خصلاتها و ارتفع ذلك
الصوت ليتضح أنها ضحكات مكتومة تحولت إلى قهقهات ساخرة و هي ترفع برأسها لكي ترى
وجهها أو أجزاء من وجهها ظهرت متسللة من خلف ذلك الستار الدموي المسمى بالشعر!
" ماذا تريدين مني؟! أنا لم أفعل لكِ شيئاً!"
توقفت عن القهقهة الساخرة عندما سمعت ذلك السؤال الخائف
منها فأجابتها بسؤالٍ يحمل العتاب و الاستهزاء في مضمونه
" ألم تعرفيني يا...إيميليا؟!"
( سحقاً إنها تجيب سؤالاً بسؤال!)
هزت إيميليا رأسها و هي تجيب باستغراب
" لا! و من أين لي أن أعرفكِ؟!"
عبس وجهها لفترة من تلك الإجابة ثم سرعان ما عادت لتلك
الابتسامة الساخرة المميتة و هي تقول
" ألهذه الدرجة ذاكرتكِ ضعيفة؟! يا للأسف لقد
نسيتيني أو محوتيني من ذكراكِ! "
قطبت إيميليا حاجبيها و هي تحاول جاهدةً أن تعثر بذكرياتها
عن من هي تلك الفتاة؟! و أين قابلتها من قبل؟! أما الأخرى فقد اقتربت أكثر منها
مواصلةً تذكيرها مع كل خطوة لتحدث ذلك الإعصار المدمر داخل عقلها
" أنا من نسيتيها بالماضي!..أنا من تركتيها ضائعة
في متاهة الزمن!..أنا ذكراكِ الأليمة!..أنا تلك الطفلة الباكية!.."
صمتت عندما وصلت إليها فتوقفت و رمقتها بتلك النظرة الخبيثة
و قد اتسعت ابتسامتها حتى كاد أن يتشقق فمها و هي تضغط بسبابتها على صدر إيميليا بقسوة
ثم قالت ناهية كلامها الصادم
" أنا و أنتِ شيئان لا ينفصلان !..وجهان لعملة
واحدة!..أنا هي أنتِ إيميليا!"
علت نبرات صوتها و اشتدت عندما نطقت تلك الجملة الأخيرة
و كأنها تيقظها من أحلامها على تلك الحقيقة المفزعة و المؤلمة, لتتسع عينيها و
تفغر فاهاً و هي تتساءل بصوتٍ مبحوح
" ماذا؟! ما هذا التخريف؟! كيف؟! لا!!"
أغلقت عينيها و حجبت أذنيها و هي لا تستوعب أو ربما لا
تريد أن تستوعب ذلك الكلام القاسي ثم قالت بجفاء و حدة مزيفين
" ابتعدي عني..اتركيني أيتها الشريرة!"
و لكنها سرعان ما أبعدت جفنيها عن تعانقهما الشديد لتجد
أن تلك الصغيرة المريبة قد لفت بذراعيها حول خصرها و احتضنتها بعنف حتى كادت أن
تتوقف أنفاسها فصاحت من الألم قائلة
" ماذا تفعلين؟! "
بصوتٍ يشبه فحيح الأفعى أجابتها
" لقد حان وقت الحصاد يا عزيزتي! سوف آخذ روحكِ
أيتها الأميرة الجميلة و سوف تصبحين معي تائهة بتلك المتاهة التي أضعتيني فيها!..سوف
أقتلكِ بيدي الصغيرتين يا حلوتي!"
ترددت صرخاتها محطمة دياجير الظلام و التمعت تلك اللآلىء
المندفعة من عينيها فتساقطت على وجنتيها و هي تقول بجزع
" لا..لا..لا أريد أن أموت..أرجوكِ لا تفعلي ذلك!..أنتِ
لا تفهمين.. أرجوكِ لازلت لم ألقَّ أي إجابة لأسألتي بعد..لا أريد أن أموت الآن
أرجوكِ!"
اعتصرتها الفتاة بقوة أكبر حتى كادت أن تحطم عمودها
الفقري أو ربما تحطم عندما سمعت صوت يشبه صوت الكسر فازداد صياحها و لكن هذه المرة
قد اهتز المكان استجابةً لها ثم صاحت مستغيثة
" لينقذني أحد من هنا!..أرجوك يا إلهي
ساعدني!..لماذا أنا؟! لماذا؟!"
" اصرخي كما تشاءين فلن يسمعكِ أحد..لأنكِ نكرة يا
عزيزتي!"
هكذا كان رد تلك الطفلة المتبجحة..قاسياً مثل
وجهها..مؤلماً مثل عينيها ..لاذعاً مثل سوط الجلاد!
أخفضت رأسها باستسلام عندما لم يأتِ أحد لإنقاذها فيبدو
أنها بالفعل في عالم النسيان أو ربما هي مثلما قالت "نكرة!" فقالت بيأس
و سوداوية
" إنها نهايتي إذن و لن أعرف..لن
أعرف..لن...أعرف!"
نزلت أهدابها من جديد متعانقةً و حاجبةً عن بصرها رؤية
وجه تلك الشرسة و هي تحاول قتلها ,و لم تحرك ساكناً مستسلمةً للموت!... و لكن فجأة
لم تعد تشعر بشيء!
( هل أنا ميتة أم لازلت حية؟! )
تردد ذلك السؤال بداخلها عندما شعرت بحالة من الانعدام و
كأنها تطفو في الفراغ! و من ثم تبعها ذلك الاهتزاز المفاجئ ليعيدها إلى الأرض!
( أشعر بيد ما تهزني! يد من هذه؟! )
تلك اليد قد انتشلتها من هواجسها المظلمة ففتحت عينيها لتبصر
فتاً لا تعرفه البتة بدا بمقتبل العمر ينظر لها بقلق و فضول متسائلاً!
" هل أنتِ بخير يا آنسة؟! ماذا حدث لكِ؟!"
ذلك الصوت قد بدا مألوفاً لها فتقارب حاجبيها في دهشة و
استغراب, مما جعله يميل برأسه قليلاً متسائلاً ما الأمر؟!
كانت خصلات شعره البنية تطاير مع نسمات الهواء الباردة
فسقطت بعضاً منها بشكل عشوائي على إحدى العينين و التي عانقت لون البحر بداخلهما!
شردت إيميليا بهما عندما شعرت بأن هناك شيئاً مميزاً فيهما! و كأنهما تحويان سراً ببريقهما الأخاذ! و لم تعرف ما سر ذلك الانجذاب الذي
هي فيه؟! و لكنها شعرت فيهما براحة و دفء عميقين ..أو ربما حنان قد افتقدته منذ
زمن بعيد!
ارتبك ذلك الشاب من تحديقها المطول به فأخفض نظره و هو
يتساءل من جديد
" هل أنتِ بخير؟! لقد وجدتكِ فاقدة الوعي هنا تهذين
ببعض الكلمات الغريبة و تصرخين! ماذا أصابكِ؟! "
أفاقت من شرودها على صوته لتتخبط داخل متاهة الحيرة من
جديد متمتمة باستغراب
" ذلك الصوت!"
" ماذا؟!"
انطلق ذلك السؤال من فاهه المتعجب و هو ينظر نحوها بعدم
فهم, فحك رأسه عندما شعر بأنه يبدو كالأبله أمامها..أما هي فقد شعرت بأنها تعرف
ذلك الصوت جيداً فحاولت التذكر و لكنها تألمت فأمسكت برأسها أمام عينيه المشدوهتين!
( ذلك الصوت...إنه نفسه!..)
هكذا هتفت بداخلها عندما تذكرت ذلك الصوت الهامس الذي
كان يلح عليها بالهرب, أما هو فقد قرر قطع الصمت متسائلاً بتوجس من حركاتها الغريبة
تلك!
" هل أنتِ على ما يرام؟! "
كان يرمقها بارتياب عندما خاف من أن تكون تلك التي
يكلمها مجنونة هاربة من المشفى! و لكنها أجابته كي تطمئن قلبه بابتسامة خافتة
" لا شيء..فقط أشعر بدوارٍ خفيف!"
أبعدت يدها عن رأسها ثم تلفتت يميناً و يساراً متسائلة
" أين أنا؟!"
زادت الدهشة على وجهه و هو يسمعها تلقي بذلك السؤال
الغريب مما أكد له أن تلك الفتاة مريبة بالفعل! فأجابها بسخرية ممزوجة بالاستغراب
" أين أنتِ؟! ألا تعرفين الميناء؟! ثم ما الذي أتى
بكِ إلى هنا؟! "
اهتزاز رأسها النافي و نظراتها المتسائلة و التائهة كانا
يعبران عن ضياعها و عدم استيعابها لما يحدث من حولها, فقطب الشاب حاجبيه و هو ينظر
لها بعين الشك لتجيبه
" حقاً لا أعرف صدقني!"
وضع بإصبعيه السبابة و الإبهام على فاهه و ذقنه مفكراً
قليلاً ثم سألها
" أين تقطنين؟! "
دون تردد أجابته " في الحي السابع, قصر روكفيلر!"
" قصر روكفيلر!...إذن أنتِ قريبة من هنا!"
ابتسم بخجل عندما أدرك من نظراتها له أن صوته كان عالٍ فاستطرد
قائلاً بأسلوبٍ لبق و هو يمد بيده إليها لينهضها من على الأرض
" هيا سوف أعيدكِ إلى بيتكِ!"
أومأت برأسها و ابتسمت له شاكرة بعد أن نهضت و نفضت
ثوبها الذي اتسخ و من ثم سارت بجواره في طريقها معه إلى البيت!
توقف الشاب مبهوتاً عندما وصلا لمقصدهما و ظل يتأمل شكل
الباب المزين و الأسوار التي دارت خلفها حديقة واسعة محيطة بقصرٍ ضخم ذو لون أزرق
غامق و قبابه بيضاء مدببة, ربما كان القدم قد ارتسم على جدرانه و لكنه لا يزال
جميلاً ! هذا كان من وجهة نظره..أما من نظرها هي فقد كانت تراه كئيباً حزيناً لا
يسيطر عليه سوى السواد ..الخوف..و الظلام الخانق!
" أيعجبك؟!"
تساءلت عندما وجدت عينيه تهتزان ببراءة متأملة ذلك القصر
بانبهار واضح, فابتسم ليجيبها دون أن ينظر إليها لأنه كان مأخوذاً بتصميمه الفريد
" أجل! إنه جميل للغاية و تصميمه دقيق جداً! أدفع
عمري كله لأعيش بمكانٍ مثل هذا!"
تقدمت نحو الأمام كي لا يرى تلك الابتسامة الحزينة المشوهة
و التي شقت طريقها نحو ثغرها ثم قالت
" هذا الجمال خارجي فقط! ربما العيش بالجحيم أفضل
مئة مرة من العيش فيه!"
استغرب كثيراً من كلامها و تساءل لماذا هي متشائمة لهذا
الحد؟! ثم قرر أن يفصح عما يجول بداخله قائلاً باندفاع
" لم كل هذا اليأس؟! كيف يمكن لفتاة جميلة مثلكِ أن
تكون حزينة؟! و يجب أن تكوني شاكرة فهناك أشخاص لا يجدون مكاناً ليحميهم من لفحات
الشمس الحارقة و صقيع الجليد ! هناك من ينام بالعراء يا آنستي!"
أطرقت برأسها و قد انزعجت عندما لم يفهمها فقالت
" آسفة!..و لكنك لن تفهم ما بداخلي!"
شعر بأنه كان قاسياً و أن لسانه كان حاداً معها كالسكين
فاقترب منها قائلاً باعتذار
" بل أنا الآسف..أرجو أن تسامحيني على تسرعي
بالكلام! و لكنني لا أحب أن أرى أي أحد حزين خاصةً لو كان جميلاً مثلكِ!"
ابتسمت بخجل و قد توردت وجنتيها..إنها أول مرة يغازلها
أحد بذلك الشكل الفاضح فأبعدت عينيها مغيرة دفة الحديث بسؤالها
" لم تقل لي ما اسمك؟!"
أما هو فقد تعلقت نظراته بها عندما تراقصت خصلات شعرها
المموج مع الهواء ليجيبها بخفوت
" رينارد..و أنتِ؟!"
ازدادت الحمرة بوجنتيها و قد شعرت بقلبها يختلج داخل
صدرها فأجابت بتردد و هي تحاول أن تنظر بأي اتجاه آخر بعيداً عن عينيه
" إ..إيميليا"
" ياله من اسمٍ جميل كصاحبته! "
" يا إلهي لقد تأخر الوقت..يجب أن أدخل قبل أن يصحو
شقيقي و يكتشف غيابي!"
هكذا هتفت بجزع , ليس لأنها تريد بالفعل أن تذهب و
لكن لكي تصرف كلام رينارد الذي أخجلها كثيراً لدرجة أنها لم تعرف كيف ترد عليه؟! و
لا لماذا لم توقفه عند حده؟!
ابتسم لها موافقاً عندما فهم أنه قد أحرجها بكلامه المتسرع
دائماً فقال معتذراً من جديد
" أتمنى حقاً أن تعذريني على جرأتي و تسرع
لساني..لم يكن عليّ أن أقول لكِ ذلك الكلام خاصةً و أنها أول مرة أراكِ فيها و
لكنكِ..."
صمت قليلاً ثم تنحنح و هو لا يعرف أيقول أم لا؟! و هل
ستغضب إن قال؟! و لكنه أتمم كلامه قائلاً بخفوت ثانيةً ناظراً إلى عينيها
" و لكنكِ جميلة فعلاً!"
ابتسمت إيميليا من تصرفاته العجيبة, إنها أول مرة ترى فيها
إنساناً واضحاً بذلك الشكل فقد اعتادت على أن الجميع يرتدي أقنعة كثيرة تداري
وجوههم الحقيقية! أما هو فقد كان مختلفاً بشكل آخر..كان شفافاً و عذباً كالماء
الصافي ربما انعكست تلك الشفافية داخل عينيه و لربما كان هذا هو السر الذي تخفيانه!..لذلك
ردت عليه قائلة بهدوء
" أنا لم أنزعج منك أبداً!"
ليرتاح قلبه و يبتسم قائلاً و مودعاً
" حسناً سوف أذهب الآن و أتمنى أن أراكِ مجدداً و
لكن في ظروف أفضل!"
لوح لها بيده و هو يبتعد راكضاً بحيوية أمام عينيها قبل
أن تدعوه حتى للدخول كي تشكره على مساعدته و لكنها همست مجيبة بعد أن اختفى داخل
ذلك الستار الضبابي
" أكيد سوف أراك يا رينارد..أتمنى ذلك من كل قلبي! و
شكراً لك على كل شيء!"
________________________
الحقوق محفوظة للكاتبة آيريس أو كلير كما تشاؤون و ممنوع النقل دون ذكر المصدر :)
__________________


هاي
القصة طوييييلة بس حلوة
ايه اللخبطة دي مبقتش فاهم حاجة
هى ليه كل شوية في مكان ؟
مستنى الجزء الجاي
باي
اهلاً يا عدي منور ر=
يب هي طويلة و ملخبطة زي ما بتقول بس لما هتتابع اكتر هتفهم + اسم الرواية احلام و اوهام ركز بكلمة أحلام او كوابيس xD"
عشان كده هتلاقيها باكتر من مكان :)
شكراً للمتابعين و اللي شجعوني على المضي قدماً بهذه الرواية :)
لكن أعتذر عن تأخري بوضع الفصل القادم منها بسبب انشغالي هذه الفترة بعدة أشياء + إنتظروا التكملة بعد العيد ان شاء الله و عليكم خير ر=
كل عــام و أنتــم بخيـــر ~ عيــد سعيــد
لن يكون هناك أي تكملة أعتذر للجميع
و أتمنى تسامحوني :(
وداعاً
إرسال تعليق